نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
القوة الوطنية الناعمة أولا, اليوم الخميس 1 يناير 2026 02:31 صباحاً
في زمن تتسارع فيه الخطى نحو المستقبل، يتسابق بعضهم نحو التباهي والغرور الأجوف ويتحدثون عن حضارة لم يحفظوها، وإرث لم يصونوه، وتراث لم يدركوا عمقه. العابثون بمقدرات بلادهم الثقافية لا ينتمون إلى الحاضر ولا إلى الماضي، بل إلى ظلمة الجهل المركب، حينما يحولون كنوز بلادهم إلى سلعة في سوق الاستعراضات، وخرافات تافهة تغذي شاشات العالم.
في الدول الغربية ينظرون لأستاذ الآثار والباحث في التاريخ على أنه هرم ضخم من الأهرام المعرفية ذات القيمة والقامة، وشخصية تسعى لاكتشاف الماضي من أجل فهم الحاضر واستقراء المستقبل، وأيضا يحتفى به كمفتاح لأسرار وخفايا عوالم كنوز المتاحف المرموقة وتشييد السردية القومية للهوية الوطنية.
أتحدث هنا معقبا عن مقابلة أجريت قبل فترة لوزير آثار أسبق صنفت على أنها الأسوأ بحسب رأي مذيع ومقدم البرنامج، بل كانت مرآة عاكسة لكثير من التناقضات. من المفترض أنها كانت مع متخصص رفيع المستوى يدرك قيمة ما بين يديه، وإعلامي متعطش للإثارة دون عمق. لكنها، رغم ظاهرها، كشفت عن مأساة أكبر لأولئك الذين يسيرون على خطاهم، يتاجرون بتاريخ أوطانهم، ويتلاعبون بإرثها المعرفي والثقافي، دون أدنى شعور بالمسؤولية.
ألا يعلم هؤلاء أن الإرث الثقافي ليس حكاية نرويها حسب أهوائنا؟ ألا يدركون أن القوة الناعمة لبلادهم، من آثارها إلى فنونها إلى تاريخها، هي سلاح حضاري أقوى من أي سلاح، وحين يستهان بهذا السلاح، ويهدر ويباع في المزادات الفكرية والحوارات السطحية، فإنهم يقوضون أسس هوية كاملة، ويحطمون جسور الحاضر بالماضي، ويدمرون المستقبل.
هناك فرق شاسع بين الغيور على إرث وطنه، وبين المغرور المتسلق على أكتاف هذا الإرث. الغيور يرى فيه مسؤولية وشرفا، أما المغرور فيراه مجرد وسيلة للظهور والصخب. وهؤلاء هم الذين يساهمون، بقصد أو بجهل، في إضعاف مكانة بلادهم أمام العالم، وتبديد رصيدها من المعرفة والتاريخ، وتفريغ روحها من معناها الحقيقي.إلى كل مغرور الوطن ليس ملكا لكم وحدكم، ولا إرثه إرثا عائليا تتصرفون فيه كما تشاءون. هو ميراث الأجيال، وسلاح الحاضر، وأمانة المستقبل. فلا تسرفوا في العبث، ولا تفرطوا في الصخب، لأن التاريخ لا يرحم الجاهلين، والحضارة لا تصمد أمام العابثين.
نصيحتي، لكل غيور على مقدرات وطنه وإرثه الحضاري أبعدوا عن دائرتكم كل مغرور موهوم بالمعرفة الزائفة والشهرة العابرة، واعلموا أن العبث بالإرث ليس مجرد خطأ، بل خيانة عظمى لجذوركم وأوطانكم.
التاريخ لا ينسى، والحضارة لا تصفح، والشعوب لا تغفر. إن كنتم لا تملكون القدرة على حمل الأمانة دعوها وتنحوا جانبا، ودعوا الإرث لمن يحفظه بإيمان ويصونه بعقل، لأننا، شئنا أم أبينا، لسنا سوى عابرين فوق جسور صنعها أجدادنا، وعلينا أن نكون جديرين بعبورها، لا أن نحرقها بأنانيتنا وغرورنا.
Yos123Omar@

















0 تعليق