نحن.. وأمريكا.. والصين

مكه 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
نحن.. وأمريكا.. والصين, اليوم الخميس 1 يناير 2026 02:31 صباحاً


لا أبالغ إذا قلت إن الدولة السعودية الحديثة تكاد تكون معجزة، وقد ولدت في ظل أعاصير عنيفة تعصف بالمنطقة وبالعالم: من سقوط الدولة العثمانية والحرب العالمية الأولى وتبعات ما بعد الحرب، إلى قيام الحرب العالمية الثانية وتبعات ما بعدها.

ومن معاهدة سايكس - بيكو وسيطرة الاستعمار الأوروبي، إلى سقوط الاستعمار والتشنجات التي اكتسحت المنطقة ما بعد سقوط الاستعمار.

كل ذلك بينما كان يدور صراع عالمي ما بين الكتلة الغربية بزعامة الولايات المتحدة، والكتلة الشرقية بزعامة الاتحاد السوفيتي... وذلك خلال فترة تسمى «الحرب الباردة» والتي لم تكن باردة، بل كانت حربا شرسة ذهب ضحيتها الملايين من الأبرياء.

فكانت الدولة السعودية الناشئة تسير وسط حقول ألغام إقليمية ودولية، بينما تواجه صعوبات لا يستهان بها: من ضعف الموارد الاقتصادية، إلى قبائل لا تفهم معنى الدولة الحديثة القائمة على المواطنة ومركزية السلطة والقانون، حتى عدم وجود مؤسسات فعالة تخدم الدولة في المراحل الأولى من نشأتها، وغير ذلك من صعوبات.

وبالرغم من تلك الظروف المستحيلة انطلقت الدولة السعودية لتتخطى الصعوبات كافة، بل ولتتجاوز كثيرا من الدول التي منحها الله من الإمكانات البشرية والمادية ما لم تكن تحلم به الدولة السعودية الناشئة، حتى أصبحت المملكة العربية السعودية القوة العربية الأولى المهيمنة سياسيا واقتصاديا بلا منازع، ورمزا للاستقرار والأمان في منطقة تتصاعد فيها الاضطرابات وتشتعل فيها الحروب.

ولا شك أن الفضل في ذلك يرجع - بعد الله - إلى تمتع السعودية بقيادة واقعية: فعلى مر العصور كانت القيادة السعودية قيادة تتعامل مع الواقع ولا تنزلق وراء الشعارات.

وما زالت الواقعية من أهم الصفات التي تميز السياسة السعودية.
ومنذ وقت مبكر أدركت القيادة السعودية ضرورة التعامل بواقعية مع القوة العظمى الصاعدة ما بعد الحرب العالمية الثانية والمهيمنة على النظام الدولي الجديد.

لكن السعودية أدركت أيضا أن العالم ينتقل من سيطرة القطب الأوحد إلى تعدد الأقطاب. كما أن السعودية تابعت الأحداث ورأت الأداء الأمريكي وقت ما يسمى بـ«الربيع العربي»، وكذلك الأداء الأمريكي في أفغانستان وليبيا والعراق وغيرها، وشهدت مدى الاستقطاب الداخلي والتقلب في المزاج السياسي الأمريكي، وتراجع الاهتمام الأمريكي بمنطقة الشرق الأوسط، وهو ما تأكد مع صدور النسخة الأخيرة من استراتيجية الأمن الوطني الأمريكية National Security Strategy التي أكدت أن الشرق الأوسط لم يعد في قمة أولوياتها.

ومن ناحية أخرى فإن الطموح السعودي الذي عبرت عنه رؤية 2030 لا بد له من شريك تنموي قادر على تنفيذ مشاريع عملاقة دون أن يفرض شروطا مجحفة أو تكلفة باهظة.

والصين هي بلا منازع الأنسب للقيام لهذا الدور، وخاصة أنها أكبر شريك تجاري للسعودية وأكبر مستورد للنفط السعودي، وأن الشركات الصينية عندها من القدرات ما لا يتوفر بعضه في الولايات المتحدة ذاتها.... وبينما تحرص الصين على أن يكون لها حضور متزايد في المنطقة، إلا أنها لا تفرض شروطا سياسية على شركائها في التنمية، بل تعمل على أساس مبدأ مصلحة الطرفين معا.. والتعاون السعودي الصيني في مجال التنمية يحقق مصلحة الطرفين: السعودي والصيني.

فكان من البديهي أن تصبح الصين مستثمرا رئيسيا في المشاريع السعودية الكبرى: كمشاريع مدينة جازان للصناعات الأساسية والتحويلية، ومدينة الجبيل الصناعية، ومشاريع البنية التحتية، والشبكات الرقمية، وغيرها من مشاريع تنموية كبرى.

فاستطاعت السعودية من خلال هذا النموذج الواقعي الذي تبنته في تنويع علاقاتها الاقتصادية والسياسية أن تجمع ما بين الحفاظ على الأمن والبناء التنموي والاستقلالية، مع الاستفادة من كل قوة عظمى فيما تجيده تلك القوة.

وهذا النموذج السعودي الذي يتعامل مع الواقع ويتفادى الصراع ويبني بالتدريج «خطوة - خطوة» بينما يحافظ على الاستقلالية، يمثل رؤية يمكن أن تحتذي بها المنطقة بأكملها: رؤية تستخدم التحوط الاستراتيجي وتنوع العلاقات الثنائية لتعزيز قدرات المنطقة وأمنها، وهو ما لا بد أن ينعكس على بناء مستقبل أفضل لأبناء المنطقة.

فهو نموذج واقعي ثبتت فعاليته.
وهو نموذج يفي باحتياجات المنطقة... ويبني مستقبلها.
حفظ الله قيادتنا وبلدنا وشعبنا.

أخبار ذات صلة

0 تعليق