نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
نهاية عهد السنين: هل سحب الذكاء الاصطناعي البساط من «شرط الخبرة»؟, اليوم الخميس 18 يونيو 2026 01:29 صباحاً
«ماذا لو ذهبت السنوات، وانتقص من قطار العمر الكثير بلا عمل..؟!» سؤال وجودي حارق يتردد اليوم في أذهان آلاف الخريجين والمؤهلين الذين يصطدمون بالجدار الإداري الصلب «فرصتك تقل لأنك مبتدئ، وصاحب العمل يمل ويلح على سنوات الخبرة». لكن المفارقة الفكرية التي نعيشها اليوم، وتستدعي وقفة جادة من أصحاب الرأي، هي أن هذا «الحصن المنيع» الذي يتحجج به قطاع الأعمال يوشك أن يتهاوى تحت وطأة التحولات التقنية الجارفة، ليعيد صياغة مفهوم الجدارة المهنية من جديد.
ففي بيئة الأعمال التقليدية، كان إلحاح أصحاب العمل على «شرط الخبرة» ينبع من رغبتهم في شراء المعلومة المتراكمة والإجراء الروتيني المجرب؛ حيث كان الموظف القديم يملك الأفضلية فقط لأنه يحفظ كواليس النظام ويعرف كيف تسير المعاملة الإدارية وتفاصيلها التاريخية.
أما اليوم، وفي عصر الذكاء الاصطناعي التوليدي، فقد تحولت المعلومة التاريخية والآلية الإجرائية إلى سلعة مجانية متوفرة بضغطة زر للجميع دون استثناء. هذا التحول البنيوي قادنا مباشرة إلى مفهوم فكري وإداري حديث وهو إعادة تعريف الكفاءة المهنية (Redefining Professional Competence)؛ حيث لم يعد مقياس الجدارة هو «كم عشت من العمر داخل المكاتب»، بل «كيف توظف الأدوات لابتكار الحلول». لقد ألغت الآلة احتكار المعرفة، وبالتالي ألغت المنطق التقليدي لخوف صاحب العمل من الموظف المبتدئ.
ومن هنا، يبرز تساؤل استراتيجي ملح يفرض نفسه على طاولة التخطيط للمستقبل القريب: هل أصبحت الخبرة التقليدية مأزقا يعيق المنظمات كما كانت، أم أنها ستتلاشى تماما خلال السنوات القادمة؟ وكيف ستتعامل المؤسسات الحكومية والخاصة مع هذا التحول؟ هل ستبقى متمسكة بنوعية الموظف صاحب الخبرة الكبيرة الذي ربما يعجز عن تقديم تطور فعلي يواكب الطفرات المتلاحقة؟ الواقع يشير إلى أن المؤسسات الذكية لن تتخلص من خبراتها التاريخية، بل ستعيد هندستها؛ فهي تتجه اليوم نحو تعزيز جودة الموظف القديم عبر استثمار خبرته المتراكمة وفهمه العميق لثقافة العمل، ثم تهيئة الفرصة والبيئة المناسبة له لدخول العالم الجديد من خلال تزويده بإمكانيات الذكاء الاصطناعي التي يمكنه تعلمها وتطويعها. هنا يتحول مأزق الخبرة الساكنة إلى «الخبرة التكيفية» (Adaptive Expertise) المرتكزة على التعلم المستمر؛ حيث تعاد صياغة الخبرة العريقة لتواكب التدفق الرقمي.
وفي المقابل تماما، يتجلى التحول الأكبر في قدرة الموظف الجديد على فهم استراتيجيات العمل والتطور السريع مستعينا بأدوات الذكاء الاصطناعي، لتتفوق مخرجاته بوضوح على الموظف المعاصر الذي تجاوزت خبرته عشر سنوات وأعلى دون تطوير حقيقي لمهاراته. هذا التفوق المشهود لا يأتي من فراغ، بل يعود لسبب جوهري واحد: أن هذا المبتدئ الذكي صنع من العلم وسيلة لمواكبة التطور، وبذل جهدا حقيقيا في «اختراق الواقع» عبر تطوير نفسه، وبناء مهاراته وأفكاره على تطويع التكنولوجيا الحديثة. من خلال دمج مهاراته البشرية بالتقنيات والبرامج الخاصة، استطاع رفع جودة مخرجاته بشكل مذهل، ليتحول إلى «الخبير المعزز بالذكاء الاصطناعي» (AI-Augmented Expert)؛ وهو النموذج السائد الذي يصنع كفاءته فورا بامتلاك أدوات المستقبل دون انتظار لعجلة الزمن المتباطئة.
لكن، هل يعني هذا الاستغناء عن «المقابلات الشخصية» أو معايير التوظيف التقليدية؟ بالطبع لا، بل يعني استبدالها بـ«معايير الجدارة الرقمية». على المنظمات اليوم أن تغير بوصلتها في البحث عن الكفاءات؛ فبدلا من التساؤل التقليدي: «كم سنة عملت؟»، يجب أن ينتقل السؤال إلى «ما هي المشاريع التي أنجزتها باستخدام الأدوات التقنية؟» و«كيف تجاوزت العوائق باستخدام الذكاء الاصطناعي؟». نحن بحاجة إلى كسر الجمود في إدارة الموارد البشرية، وتصميم رحلة توظيف تبحث عن «القدرة على التعلم» (Learning Agility) كأهم مهارة، بدلا من تكديس سنوات الخبرة التي قد تكون مجرد تكرار رتيب.
إن المنظمة التي لا تزال تعتمد على سنوات العمل كـ«مصفاة وحيدة» للمتقدمين، إنما هي تغلق أبوابها طوعا أمام المبتكرين الذين يملكون أدوات المستقبل ولكنهم لا يملكون تاريخا في الأرشيف الإداري.
إن الإلحاح المستمر على «شرط الخبرة الزمني» في عصر الذكاء الاصطناعي هو نوع من الجمود الإداري الذي يفوت على المنظمات دماء جديدة قادرة على قيادة التحول الاستراتيجي. سنوات الانتظار لم تعد هدرا للعمر إذا استغلت في تطويع التقنية؛ وعلى قطاع الأعمال اليوم أن يدرك أن «المبتدئ المعزز» هو الرهان الحقيقي للإنتاجية والجودة الفائقة، وأن قطار المستقبل لا ينتظر من يقف عند حدود أرقام السنين.
3ny_dh@














0 تعليق