بيت العمر في قبضة الاحتكار

مكه 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
بيت العمر في قبضة الاحتكار, اليوم السبت 13 يونيو 2026 11:35 مساءً

في الغالب، بناء المنزل رحلة محفوفة بالمكاره؛ عمالة غير مهنية، مواد مغشوشة، مواعيد لا تحترم، أسعار مبالغ فيها، وتحايل لا يكاد يفارق المشروع من بدايته إلى نهايته. وإن نجوت من كل هذه الكمائن، فربما صنعت - من حيث لا تعلم - خصما متربصا، سيبذل ما في وسعه لإفشال مشروعك أو جزء منه؛ ذلك هو العامل الذي فشل في سرقتك، فقرر أن ينتقم بالتخريب في الأساسات أو العبث بمسارات المياه والصرف الصحي.

هي رحلة طال انتظارها لعقود بسبب غلاء الأراضي. وحين نجحت الدولة أخيرا في كبح جماح الأسعار، وشهد السوق انخفاضات متتالية أعادت الأمل لكثير من المواطنين، بدا أن معركة أخرى كانت تنتظرهم عند بوابة البناء. ففي الوقت الذي تراجعت فيه أسعار الأراضي، ازداد جموح كثير من العاملين في قطاع التشييد والبناء، حتى أصبح المواطن والمقيم على حد سواء ضحية لممارسات تستنزف المال والوقت والأعصاب.

ولعل أحد أبرز أسباب هذه الإشكالية هو ما يشبه الاحتكار غير المعلن، القائم على تقسيم المهن والأنشطة بين شبكات مغلقة ترتبط بالانتماء لجنسية محددة. فالبلاط تحتكره فئة، والعزل فئة أخرى، والحدادة والسباكة والكهرباء فئات أخرى، ولكل دائرة سماسرتها ووسطاؤها ومساراتها التي يصعب اختراقها.

تدخل السوق وقد أمضيت شهورا في جمع المعلومات؛ تحمل في يد حصيلة سنوات من الكدح والادخار، وفي الأخرى ملفات تضم المخططات والكميات والمواصفات والأسعار وأسماء الموردين. تظن أن المعرفة ستحميك، وأن الأرقام ستمنحك قدرة على التفاوض، لكنك تكتشف أن جزءا كبيرا من السوق لا تحكمه قواعد المنافسة وحدها، بل تحكمه أيضا شبكات مصالح مغلقة، ويبقى المستهلك الحلقة الأضعف.

حذر علماء الاجتماع السياسي منذ زمن من أن المشكلة لا تبدأ عندما تنجح جماعة أو فئة مهنية في نشاط اقتصادي معين، بل عندما يتحول النجاح إلى احتكار، أو تتحول الخبرة إلى قدرة على التحكم في السوق والمعلومة والقرار. عندها لا يعود المتضرر فردا بعينه، بل يصبح المجتمع كله أسيرا لواقع ترتفع فيه الأسعار، وتتراجع فيه الجودة، وتضيق فيه فرص المنافسة العادلة.

والحقيقة أن اللوم لا يقع على جنسية أو فئة بعينها فقط؛ - فالباحث عن المصلحة سيفعل ما تسمح به البيئة المحيطة به - بل على بيئة تسمح بتشكل مثل هذه التكتلات، وعلى سوق يضيق بالمنافسة ويتسع للاحتكار.

إن أخطر أنواع الاحتكار ليس احتكار السلعة، بل احتكار المهنة نفسها. فعندما تختزل بعض الأنشطة في دوائر مغلقة تدور حول جنسية واحدة أو شبكة مصالح واحدة، تتراجع المنافسة، وتشل آليات السوق، ويصبح المستهلك مضطرا للدخول في لعبة يعرف الجميع قواعدها إلا هو.

ولذلك فإن الحل لا يكمن في زيادة الرقابة فحسب، بل في تفكيك التكتلات المهنية المغلقة، وفتح المجال أمام منافسين جدد من جنسيات عرفت بتميزها والتزامها، وتمكين الكفاءات الوطنية من الوظائف الإشرافية، وتجفيف منابع الاحتكار أينما كانت. فالسوق العادل لا يبنى على الانتماءات، بل على الكفاءة والجودة والسعر العادل.

ويبقى السؤال: نجحنا في كبح جماح الأراضي، فمتى نوقف عجلة الاحتكارات التي تقف بين المواطن وبيت العمر؟

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق