نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
الحج جامعة تهذيب الإنسان, اليوم الأحد 24 مايو 2026 12:51 صباحاً
عظمة الحج لا تكمن في لبس الإحرام، والوقوف بعرفة، وطواف الإفاضة، والسعي بين الصفا والمروة، وغير ذلك من واجبات وسنن، بل في المعاني التي يعيد بها الإنسان تشكيل قلبه وعقله وضميره وإدراكه؛ ومن عاش في مكة المكرمة والمدينة المنورة، يدرك أن هذه الرحلة ليست انتقالا بين أماكن فقط، بل بين معنيين عظيمين؛ مكة التي تعلم الإنسان التجرد، والمدينة التي تعلمه السكينة؛ ففي مكة يشعر الإنسان بهيبة التوحيد والبدايات الأولى؛ حيث البيت العتيق، ودعوة سيدنا إبراهيم عليه السلام، ومشهد الناس وهم يأتون من كل فج عميق؛ وفي المدينة يقترب القلب من معنى الرحمة النبوية؛ حيث تهدأ النفس، ويلين الداخل، ويتذكر الإنسان أن الدين ليس شعائر تؤدى فقط، بل خلق ورحمة وأثر؛ فهناك قرب حجرات النبي صلى الله عليه وسلم، لا يحتاج المرء إلى كثير كلام، ويكفي أن يجلس قليلا حتى يشعر أن شيئا في داخله يعيد ترتيب نفسه بهدوء؛ كأن القلب، بعد كل هذا الركض، وجد مكانا لا يطالبه بأن يتظاهر إلا بالصدق والسكينة.
ليس غريبا أن يرتبط الحج في الوعي الإسلامي بمعاني الوحدة والتجرد من العصبيات الضيقة؛ فالحاج حين يخلع ثيابه المعتادة ويلبس الإحرام، إنما يخلع معه أوهام التفوق الشكلي وغرور الدنيا، ليتذكر أن الناس سواسية، وأن قيمة الإنسان ليست بما يملك، بل بما يحمل من تقوى وصدق وإخلاص؛ فشعيرة الحج ليست مشاعر فقط، بل مدرسة في النظام والطاعة واحتمال الناس؛ فالحاج يتحرك وفق شعائر محددة وأزمنة معلومة، لا يقدم فيها هواه على أمر الله، وكأن الحج تدريب عملي على بناء الإنسان المسؤول الذي يحترم النظام، ويحفظ الحقوق، ويؤدي الواجبات، ويزداد يقينا بأن روح الحج لا ينبغي أن تبقى في المشاعر وحدها، بل يجب أن تعود معه إلى موطنه سلوكا وأخلاقا ورحمة وإحساسا بالمسؤولية تجاه الناس والمجتمع؛ والأمة التي تفهم الحج على حقيقته لا يمكن أن تبقى أسيرة الفرقة والكراهية؛ لأن الحج يعلم الإنسان أن القوة الحقيقية ليست في الصراع، بل في التآلف، وأن أعظم ما يبنيه الإيمان هو الإنسان الصالح الذي يعمر الأرض بالخير والعدل والرحمة.
الحج مدرسة سنوية لتجديد الروح، وتطهير الضمير، وإحياء معاني الأخوة التي لا تقوم عليها الأوطان فحسب، بل تقوم عليها الحضارات أيضا؛ وليس المقصود من الحج أن يعود الإنسان بلقب "حاج" فقط، بل أن يعود بروح أنقى، وقلب ألين، ووعي أرحب، وإدراك بأن الدين ليس مشهدا عابرا، بل أثر لا بد أن يظهر في طريقة كلامه، ونظرته للناس، ورحمته بهم؛ وأختم بأن للحرمين الشريفين في وجدان المسلمين منزلة تتجاوز حدود الجغرافيا؛ فهما رمز وحدة الأمة ومهوى أفئدة المؤمنين، وفي خدمتهما شرف عظيم ومسؤولية تاريخية كبرى، ولهذا سخرت وتسخر بلادنا المباركة، المملكة العربية السعودية، إمكاناتها البشرية والتنظيمية والتقنية لخدمة ضيوف الرحمن، حتى أصبح الحاج يرى في الأمن والتنظيم والرعاية جزءا من الطمأنينة التي تعينه على أداء نسكه بكرامة وسكينة؛ فالحمد لله على التوفيق حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه.
















0 تعليق