قرارات دون حوكمة

مكه 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
قرارات دون حوكمة, اليوم الثلاثاء 12 مايو 2026 12:01 صباحاً

في عالم الإدارة والحوكمة، القرارات الحكومية أو التنظيمية وإن كانت تحمل في نواياها أطرا إصلاحية، لكنها للأسف تحولت إلى أزمات مالية أو اقتصادية بسبب غياب دراسة الأثر المالي والتشغيلي والاجتماعي قبل التطبيق.

ولعل الكثير من المدارس الحديثة في الحوكمة تعتبر أن «القرار غير المدروس أخطر من عدم اتخاذ القرار»، لأن أثره قد يمتد لسنوات ويؤثر على الثقة والاقتصاد والاستثمار للأسف الشديد.

واطلعت على قصص عالمية حدثت بعد إطلاق مثل هذه الحزم التي - مثلما ذكرت - يكون الهدف منها إصلاحيا، ولكن أصبحت كارثية.

وجاءت إحدى تلك الكوارث عندما أقرت عدة ولايات أمريكية رفع الحد الأدنى للأجور، دون دراسة سوق العمل، وبالفعل تم رفع الحد الأدنى للأجور بشكل سريع لتحقيق العدالة الاجتماعية.

إلا أنه وبعد ذلك حدثت في بعض القطاعات ردة فعل عكسية خطيرة، منها تسريح موظفين محدودي المهارة، تقليل ساعات العمل، إحلال التقنية والأتمتة بدلا من العمالة البشرية، إغلاق منشآت صغيرة غير قادرة على تحمل التكاليف؛ وغيرها من التبعات، كانت كالألم من رمح صنع لفرض الانتصار، ولكنه ارتد على صاحبه.

إداريا ينظر لهذا الدرس أن القرار تحول إلى عبء اقتصادي، لأنه لم تتم دراسة ومعرفة قدرة المنشآت على الامتثال لمرونة السوق، مما أثر على المنشآت الصغيرة والمتوسطة.

وهناك قصة أخرى نستشهد بها أيضا حدثت قبل أعوام، وهي تخص قرارات الإغلاق أثناء جائحة كورونا، حيث فرضت حكومات العالم العديد من إجراءات الإغلاق الصارمة والسريعة، ولكن رغم تحقيق جزء من الأهداف الصحية، ظهرت آثار مالية ضخمة منها انهيار شركات صغيرة، واضطرابات في سلاسل الإمداد، أدت أيضا إلى ارتفاع في البطالة، وانتقال الأنشطة الاقتصادية إلى مناطق أقل تقييدا، وعزت بعض الدراسات السبب إلى أن غياب التنسيق بين المناطق خلق نتائج عكسية.

إذًا ماذا يحتاج القرار الطارئ؟

في الحقيقة يحتاج بالضرورة الملحة إلى نماذج محاكاة، وتحليل سلوك للمجتمع، وتقييم اقتصادي متزامن مع القرار الصحي، والذي سينتج عنه تقليل من حجم الخسائر والفوز بالنجاة من تلك النكبة.

وأذكر قرأت عن القرارات التنظيمية والمالية خلال الأزمة المالية العالمية 2008، حيث اتخذت جهات تنظيمية ومؤسسات مالية قرارات توسع ائتماني ورقابي دون تقدير كاف للمخاطر التراكمية.

وأدى ذلك إلى انهيار مؤسسات مالية كبرى منها «Lehman Brothers» التي أعلنت إفلاسها في واحدة من أكبر الصدمات المالية، بخلاف عمليات استحواذ وخطط لإنقاذ عدد من الشركات، والتي لم تمنع خسائر بالمليارات، وأدت إلى تدخل حكومي سريع لإنقاذ الأسواق، سايرها موجة من فقدان الثقة بالنظام المالي.

السؤال هنا لماذا تفشل بعض القرارات؟ بحسب تقارير OECD فإن أبرز الأسباب تكمن في غياب دراسة الأثر المالي والتنظيم، اتخاذ القرار تحت ضغط سياسي أو إعلامي، تجاهل أصحاب المصلحة، عدم تجربة القرار على نطاق محدود أولا، تجاهل الآثار غير المباشرة، وضعف البيانات والإحصاءات، وأخيرا غياب خطط القياس بعد التطبيق.

وأكدت المنظمة في تقريرها أن كثيرا من الآثار السلبية غير المقصودة كان يمكن تجنبها عبر أدوات الحوكمة الحديثة.

وأوصت مدارس الحوكمة العالمية ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD بخطوات منها، تعريف المشكلة بدقة، وأن ليس كل عرض يعني وجود مشكلة حقيقية.

كما أوصت أيضا بعمل دراسة للأثر المالي ومنها، التكلفة على الدولة والقطاع الخاص، وأثر تلك القرارات على المواطن، كذلك الأثر على الاستثمار والتضخم والتوظيف.

مع وضع تحليل للسيناريوهات منها الإجابة عن الأسئلة: ماذا لو فشل القرار؟ وماذا لو تم الالتفاف عليه؟ وماذا لو تغيرت الظروف الاقتصادية؟

وطالبت بإشراك أصحاب المصلحة وعلى رأسهم القطاع الخاص، المختصين، الجمعيات المهنية، والجهات التنفيذية؛ مع الحرص على التطبيق المرحلي أو التجريبي لتقليل المخاطر قبل التعميم؛ كذلك بناء مؤشرات قياس واضحة KPIs لقياس نجاح القرار أو فشله، مع فرض مراجعة مستمرة على الأداء.

وعلينا أن نتذكر أن الحوكمة الحديثة تعتبر «التراجع عن القرار الخاطئ قوة مؤسسية لا ضعفا».

ولمن أراد نسخة من تقرير OECD بإمكانه التواصل معي على حسابي في X الموجود في المقال.

أخبار ذات صلة

0 تعليق