مصر بين نيران الإقليم وحكمة الدولة!

بوابة فيتو 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
مصر بين نيران الإقليم وحكمة الدولة!, اليوم الثلاثاء 4 أغسطس 2026 12:35 مساءً

في لحظة إقليمية هي الأكثر اضطرابًا منذ عقود، تتكشف أمام المنطقة مشاهد متلاحقة من الصراعات العسكرية، وتتصاعد وتيرة الاستهدافات التي تطال المنشآت الحيوية وخطوط الطاقة والممرات الاستراتيجية، في محاولة واضحة لتوسيع دائرة الاشتعال وإدخال أطراف جديدة إلى أتون المواجهة.

وفي هذا السياق، يأتي استهداف سفينتي التغويز في ميناء دمياط بطائرة مسيرة باعتباره عملًا عدائيًا مدانًا بكل المقاييس، لا يستهدف منشآت اقتصادية فحسب، وإنما يحاول المساس بأمن الدولة المصرية واستقرارها، والإضرار بمصالح شعبها، وإرباك أحد أهم مراكز الطاقة في شرق المتوسط.

 

إن إدانة هذا العدوان ليست مجرد موقف سياسي، بل هي موقف أخلاقي وقانوني ينسجم مع مبادئ القانون الدولي الذي يجرم الاعتداء على المنشآت المدنية والبنية التحتية الاقتصادية للدول. فاستهداف مصادر الطاقة لا يمثل تهديدًا لدولة بعينها، وإنما ينعكس سلبًا على أمن الطاقة الإقليمي والدولي، ويزيد من حالة عدم اليقين التي يعيشها الاقتصاد العالمي.

 

غير أن قراءة الحدث في إطاره الأوسع تكشف أن الهدف الحقيقي لا يقتصر على إحداث خسائر مادية، وإنما يتجاوز ذلك إلى محاولة استدراج مصر إلى مربع المواجهة العسكرية، وجرها إلى صراعات تتجاوز حدود مصالحها الوطنية المباشرة. 

وهنا تتجلى خصوصية الدولة المصرية التي راكمت خلال السنوات الأخيرة خبرة سياسية واستراتيجية جعلتها أكثر قدرة على التمييز بين رد الفعل الانفعالي، وبين القرار السيادي الرشيد الذي يضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.

 

لقد أثبتت القيادة السياسية المصرية، خلال السنوات الأخيرة، أنها تدير ملفات الأمن القومي بمهارة فائقة، وبمنهج يقوم على الهدوء، والحكمة، والانضباط الاستراتيجي، بعيدًا عن الانفعال أو الاندفاع الذي كثيرًا ما كان سببًا في انهيار دول وإشعال حروب لم تحقق لأصحابها سوى مزيد من الخسائر وعدم الاستقرار. 

فالقوة الحقيقية للدول لا تقاس فقط بقدراتها العسكرية، وإنما بقدرتها على اختيار التوقيت المناسب، والوسيلة المناسبة، والقرار الذي يخدم مصالحها الوطنية على المدى الطويل.

 

وإذا نظرنا إلى البيئة الإقليمية المحيطة بمصر، فإننا ندرك حجم الضغوط غير المسبوقة التي تواجهها الدولة. فمن الشرق، لا تزال الحرب في قطاع غزة تلقي بظلالها الثقيلة على الأمن الإقليمي، وتفرض تحديات إنسانية وأمنية وسياسية معقدة على الحدود المصرية. 

ومن الغرب، تستمر الأزمة الليبية بما تحمله من تهديدات مرتبطة بالإرهاب والهجرة غير الشرعية وانتشار السلاح. أما الجنوب، فلا تزال الأزمة السودانية تمثل أحد أخطر مصادر القلق، لما تفرضه من تداعيات على أمن الحدود والاستقرار الإقليمي. وفي الشمال، تتشابك المصالح الدولية والإقليمية حول ثروات الغاز في شرق البحر المتوسط، بما يجعل المنطقة ساحة تنافس سياسي واستراتيجي شديد الحساسية.

 

ورغم هذا الطوق المشتعل من الأزمات، لم تنزلق مصر إلى سياسات المغامرة، ولم تجعل من الانفعال منهجًا لإدارة الدولة، بل اختارت طريقًا أكثر صعوبة وأكثر مسؤولية، يقوم على الجمع بين امتلاك عناصر القوة الشاملة، وبين توظيف الدبلوماسية النشطة والحوار السياسي، مع الحفاظ الكامل على جاهزية مؤسسات الدولة للدفاع عن السيادة الوطنية إذا اقتضت الضرورة.

 

ومن منظور علم الاجتماع السياسي، فإن استقرار الدولة لا يتحقق فقط بتوازن القوة العسكرية، وإنما بقدرتها على إدارة الأزمات دون أن تتحول هي نفسها إلى جزء من الأزمة. وهذه هي المعادلة التي نجحت مصر في ترسيخها، فهي دولة تدرك أن الانجرار إلى الحروب المفتوحة قد يحقق مكاسب آنية محدودة، لكنه يهدد التنمية والاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، ويستنزف مقدرات الشعوب لعقود طويلة.

 

لقد اختارت مصر خلال السنوات الماضية أن تبني اقتصادها، وتطور بنيتها التحتية، وتعزز قدراتها الدفاعية، وتوسع من شبكة علاقاتها الدولية، بما يمنحها استقلالية أكبر في اتخاذ القرار الوطني. كما حافظت على سياسة خارجية متوازنة تقوم على احترام سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، والالتزام بالقوانين والمواثيق الدولية، مع الاحتفاظ بحقها المشروع في الدفاع عن أمنها القومي بكل الوسائل التي يقرها القانون الدولي.

 

إن الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى الجميع واضحة وحاسمة: مصر ليست دولة تبحث عن الحرب، لكنها أيضًا ليست دولة يمكن اختبار صبرها أو المساس بسيادتها. فهي تمتلك من القوة ما يكفل حماية أمنها القومي، وتمتلك من الحكمة ما يجعلها تفرق بين الاستفزاز الذي يستهدف جرها إلى معارك الآخرين، وبين القرار الوطني المستقل الذي يصنعه العقل الاستراتيجي المصري.

إن الاعتداء على أي منشأة مصرية هو اعتداء مرفوض ومدان، ويستوجب موقفًا حازمًا يحفظ الحقوق المصرية وفق قواعد الشرعية الدولية. لكن الرد الحقيقي لا يكون دائمًا بالصوت المرتفع أو الانفعال، وإنما يكون بالحفاظ على تماسك الدولة، واستمرار مؤسساتها في أداء دورها، وتعزيز قدرتها على حماية مصالحها الوطنية، مع عدم السماح لأي طرف بأن ينجح في تحويل مصر إلى ساحة جديدة للصراعات الإقليمية. 

فالدول الكبرى لا تقاد بردود الأفعال، وإنما تدار بعقل الدولة، ومصر أثبتت، مرة بعد أخرى، أنها تملك هذا العقل، وأنها ستظل قادرة على حماية أمنها القومي، وصون سيادتها، والمساهمة في ترسيخ الاستقرار الإقليمي، انطلاقًا من مسؤوليتها التاريخية ومكانتها العربية والإقليمية، اللهم بلغت اللهم فاشهد.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق