أبيض وأسود

المصرى اليوم 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

اشترك لتصلك أهم الأخبار

أرسلت لى إحدى صديقاتى المقربات صورة تجمعنا مع عدد من الأصدقاء، مر عليها أكثر من ثلاثة عقود، فغمرنى الحنين إلى أيام الصبا، الحنين إلى الأشياء الجميلة فقط، وهكذا فعلت بى هذه الصورة الفوتوغرافية، أحيت الماضى، أطرت الزمن، ولا تستطيع أن تقاوم إحساسا غامضا بالحنين والرعشة وأنت تلتهم بعينيك الصورة، وكذلك الاندهاش النابع ربما فى المظهر القديم للورق، أو فى ألوان الصورة الباهتة.

وربما لأنك تشعر بأن هناك انسجاما دقيقا بين الصورة القديمة وبين الغموض الذى يناسب زمن التقاطها، وكذلك قدم الصورة قد يجعلها أشبه بسحب مغبرة، تنهك قدرتك البصرية، لكنه يستدرك إلى حنين لاستدعاء الماضى وأيامه الخوالى، أيام الصبا والانطلاق والإحساس بامتلاك العالم.

ومع الصورة تحاول أن تسرد حكايتها، بغض النظر عن الجوانب التقنية والفنية التى تحيط بها، ترصد حركة الأجسام التى كانت طازجة ومرحة، وانطباعات الوجوه البكر، والإيماءات ودلالتها المختلفة، تتخيل علاقات الأشخاص بعضهم ببعض وعلاقتهم بالأشياء خلفهم وأمامهم، وفى كثير من الأحيان تظبط نفسك تقوم بتجميل هذه العلاقات حتى لو كانت تغيرت بعد التقاط الصورة، وشتان ما بين الصورة التى تلتقطها العين، وبين تلك التى تبدعها الروح.

ألم تصبك السعادة عندما تمسك بين يديك صور الأبيض والأسود؟، ربما لأن سحرها الخاص يجعلك تكشف عن عالم غامض يمتزج فيه الظل بالضوء، تجعلنا نفقد مفهوم الزمن ونتجاهله.

لطشة صورة تجعل فيضا من الذكريات يتدفق كشلال ينحدر من أعالى الجبال، تذكرك بأمك وهى تحتضنك، وبأبيك وهو يصطحبك معه فى جولات حرة، تذكرك بسحر الأمسيات وجمال الاحتفالات، وتجعلك تخبئ عينيك بكفيك، لأن هناك ذكرى طعنت قلبك أو نكأت جرحا كان داميا حينها، تدرك أن الذكرى مؤلمة فى حالة الفرح أو الحزن، ويصبح العمر ذكريات مطوية، وتوقن أن الذاكرة فى أحيان كثيرة تكون خداعة كاذبة، ونحن نحاول أن نجمل ما تبقى منها.

ومع التطور الهائل فى التكنولوجيا الرقمية من هواتف ذكية ووسائل تصوير حديثة للغاية، أصبحت لغة التواصل،لغة مرئية ومصورة ومتفاعلة، لكن هل تشبه هذه الصور الآن، تلك الصور القيمة التى تنقل الأحداث بشكل حقيقى فى زمن اللقطة، الإجابة بالتأكيد: لا، لأنك تستطيع الآن أن تجلب البحر إلى صورتك وأنت فى غرفة نومك رغم عدم قربك منه، وكذلك يمكنك أن تجلب الصحراء أو تحيط نفسك بالنمور والأسود باستخدام التكنولوجيا الرقمية، ترى هل سنفقد معنى الحنين ووجعه بعد هذه الطفرة الرقمية.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق