الضحك المشوه: ضحك يضحك عليك

مكه 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
الضحك المشوه: ضحك يضحك عليك, اليوم الخميس 14 مايو 2026 01:41 صباحاً


منذ أن تعلم الإنسان كيف يضحك، وهو يحاول أن يفهم هذه القدرة الغريبة: كيف يمكن لصوت خفيف أن يخفف ثقل العالم؟ الضحك في أصله ليس ترفا، بل وسيلة دفاع ناعمة، وذكاء عاطفي يعيد ترتيب الفوضى داخلنا. نضحك أحيانا لأننا لا نملك رفاهية البكاء، ونبتسم لأن الحزن أكبر من أن يحتمل. لهذا لم يكن غريبا أن يظهر في الأدب والفن ما يسمى بالكوميديا السوداء؛ ذلك الفن الذي يعيد تدوير الألم ليصنع منه معنى.

وتطور هذا المفهوم ليظهر في أشكال متعددة، من السينما إلى المسرح، وصولا إلى «الاستاند آب كوميدي». وهو فن دقيق، قائم على التوازن بين الجرأة والوعي. فالكوميدي لا يملك رفاهية العشوائية؛ كل كلمة محسوبة، وكل وقفة لها معنى. حين ينجح، فإنه لا يمنحك ضحكة عابرة، بل يفتح لك نافذة ترى منها نفسك والعالم بشكل مختلف.

لقد كنت دائما منحازا لفن «الاستاند آب كوميدي» الراقي، وهو ما دفعني لكتابة مقالي (ديف شابيل: الفيلسوف الساخر)؛ فالمبدع الحقيقي في هذا الفن هو من يمتلك «مشرطا» فكريا يشرح به القضايا الكبرى بأسلوب ساخر. الجمال في هذا الفن يكمن في قدرة المؤدي على أن يكون مرآة للمجتمع، يعكس عيوبه بذكاء يجعلك تضحك من قلبك، لكنك في اللحظة التالية تجد نفسك غارقا في التفكير. إنه فن «السهل الممتنع» الذي يتطلب ثقافة واسعة وقدرة فذة على الملاحظة.

لكن الفن، وإن كان لغة عالمية، لا يمكنه أن ينسلخ عن جذوره الثقافية. فلكل بيئة جغرافيتها الأخلاقية التي تمنحها تميزها؛ ونحن كمسلمين ومجتمعات عربية، محكومون بمنظومة من القيم والأعراف التي لا نعتبرها قيودا، بل سياجا يحفظ كرامة الإنسان. الكوميديا الناجحة في عالمنا هي التي تستلهم مادتها من تفاصيلنا المحلية دون أن تكسر هذا السياج، ودون أن تخلط بين خفة الظل وبين خفة القيمة أو المساس بالمقدس شرعا، والفعل الاجتماعي الراسخ.

هنا يظهر الشرخ الكبير؛ فكل ما سبق من حديث عن الفلسفة والتعافي يصطدم بواقع مرير يفرضه بعض مؤدي «الاستاند آب» العرب اليوم. لقد ساءني هذا التحول من «الضحك الهادف» إلى «الضحك المشوه»؛ حيث أصبح الإسفاف هو العملة الرائجة. ما نراه في بعض الحفلات مؤخرا يفتقر لأدنى مستويات الكوميديا الحقيقية، مستعيضا عنها بابتذال فج، يحاول انتزاع ضحكة رخيصة عبر استجداء مواضيع لا تليق بقدسية المسرح ولا بوقار الكلمة.

المؤلم حقا هو تحويل خشبة المسرح إلى ساحة لاستعراض الخيانات الزوجية، وقصص الطلاق والخلع، والنزوات العابرة. لقد أصبح «المؤدي» يستنطق الجمهور ليستدرجهم نحو بوح مخجل، فتجد أفرادا يروون أسرار بيوتهم وفشل علاقاتهم بنبرة يمتزج فيها التباهي الأحمق بالتماهي الأرعن. هذا ليس «تفريغا للصدمات»، بل هو هدم ممنهج لقيمة الحياء التي هي جوهر شخصيتنا، وتسطيح للمآسي الأسرية بجعلها مادة للنكتة العابرة.

ختاما، إن الضحك الذي ننشده هو الذي يبني الوعي ولا يهدم البيوت، الضحك الذي يخرج من «فلسفة» لا من «فضيحة». إن تكريس التفاهة تحت ستار الكوميديا هو جناية على الفن نفسه قبل أن يكون جناية على الجمهور. نحن بحاجة لمبدعين يحترمون عقل المشاهد وخصوصيته الثقافية، ويعيدون لهذا الفن هيبته؛ ليكون ضحكا نبيلا يرمم الروح، لا ضحكا مشوها يترك ندوبا في وعي المجتمع وأخلاقه. إن المبدع الحقيقي هو من يضحكنا على عيوبنا لكي نصلحها، لا من يجعلنا نضحك على خطايانا لكي نتفاخر بها. لقد آن الأوان لكي يستعيد «الاستاند آب» العربي وقاره، ليكون فنا يحترم عقل المشاهد وقيمه، بدلا من هذا السقوط في فخ الابتذال.

أخبار ذات صلة

0 تعليق