المفاوضات في صمت السلاح

مكه 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
المفاوضات في صمت السلاح, اليوم الاثنين 13 أبريل 2026 09:01 مساءً

هل فكرتم يوما ماذا يدور في القاعات المغلقة، وكيف تدار المفاوضات، كيف تكسب الجولات وتكسر القناعات، وكيف يتسيد طرف الجولة وبالتالي الفوز بالمفاوضات.

ما دفعني للتفكير في هذا السؤال هو كيف لمتناقضين أو متضادين، أن يجلسا على طاولة الحوار، وكيف تدار آلة المفاوضات، ولمن الغلبة، ولو كنت أنا أو أنت مفاوضا ما الذي يجب عليك فهمه لكي تكون بارعا وتكسبها.

ولا أخفيكم منذ انطلاق الهدنة وأنا أبحث عن مصادر ومراجع لذلك، وإن كانت متعبة ومضنية.. ولكن وجود التقنية أضاف نوعا من السرعة والمتعة، التي ساعدتني كثيرا؛ فعلم التفاوض يحمل دروسا وقواعد مهمة تدفعك للهيمنة على الطاولة أو قاعة التفاوض، وأول القواعد تقول إن الطاولة لا تبدأ عند الجلوس، بل قبلها بكثير.

غالبا ما يدخل المفاوض بأقصى سقف ممكن (تهديد، مهلة، أوراق ضغط اقتصادي، ورسائل عسكرية محسوبة)، الهدف ليس الوصول الفوري إلى حل، بل إجبار الطرف الآخر على إعادة تعريف «الممكن».

هذه الطريقة أو المدرسة تعرف في كتب التفاوض الحديثة بصناعة المرساة الأولى؛ أي أن الطرف الأول مثلا هو من يفرض نقطة البداية، فالحالة النفسية مطلب مهم لأن تأثيرها قوي على الطرف الآخر، حتى يبدو أي تنازل لاحق منك وكأنه مرونة وليس تراجعا.

من جهته الطرف الآخر، في الغالب يلعب بطريقة أو مدرسة مختلفة وهي التفاوض بالنفس الطويل؛ أي أن الرد هنا لا يكون غالبا بالرفض المباشر، بل بإعادة ترتيب الأولويات، حيث يكون منها طرح شروط مسبقة، تربط ملفا بآخر، وتدخل الزمن كعنصر تفاوض بحد ذاته.

فكل ساعة تمر بلا ما يسمى بانفجار تفاوضي ميداني، تمنح الطرف الثاني مساحة لإعادة التموضع السياسي والإعلامي، ولهذا رأيناه جليا في شروط المفاوض الإيراني منها وقف الضربات والضمانات والتعويضات قبل الانتقال إلى أي سلام دائم.

هنا يظهر أحد أهم أساليب القاعات المغلقة، وهو إدارة المتعنت.

الطرف المتشدد لا يكسر غالبا بالمواجهة المباشرة، بل بإعادة صياغة كلفة الرفض عليه؛ المفاوض المحترف لا يقول «يجب أن توافق»، بل يجعله يرى بنفسه أن الرفض أصبح أعلى تكلفة من القبول، هذه هي المدرسة التي تحدث عنها كتاب «Getting Past No» لا تصطدم بالجدار، بل غير زاويتك في الغرفة.

وانتقل في الحديث هنا عن مهارة أخرى في فن التفاوض السياسي، وهي «أخذ زمام المبادرة» فهي أخطر لحظة في أي تفاوض سياسي، فالمبادرة ليست في الكلام الأكثر، بل في صياغة السؤال الذي يجبر الآخر على الدفاع.

حين تسأل واشنطن ما الضمانة لعدم تكرار الإغلاق في هرمز؟ فهي لا تبحث عن جواب فقط، بل تنقل إيران من موقع المهاجم إلى موقع المبرر؛ وحين ترد طهران بسؤال معاكس عن الضمانات الأمريكية لوقف الضربات، فهي تستعيد توازن الطاولة؛ هنا تتحول المفاوضات إلى لعبة أسئلة أكثر من كونها لعبة أجوبة.

ولنفهم أكثر أن الضغط ليس دائما تهديدا صريحا؛ أحيانا يكون الضغط هو الصمت المدروس، التسريب الإعلامي، أو الإيحاء بأن عامل الوقت ضدك أيها الطرف الآخر.

ولعل من أشهر مدارس التفاوض الأمريكية ما يسمى «نظرية الرجل المجنون»، أي أن توحي بأنك مستعد لخيارات غير متوقعة، حتى تدفع خصمك لتقديم تنازل وقائي قبل المخاطرة بالأسوأ، هذه المدرسة ظهرت بوضوح في الخطاب الأمريكي الأخير تجاه طهران.

لكن الفوز الحقيقي في القاعات المغلقة لا يعني دائما توقيع اتفاق.

أحيانا يكون الفوز هو منع الانهيار، شراء الوقت، تثبيت هدنة هشة، أو انتزاع اعتراف ضمني بحق البقاء لاعبا أساسيا.

لذلك في جولة المفاوضات بعد 21 ساعة خرجت المفاوضات خالية الوفاض، ولكن كلاهما خرج أيضا دون أن يخسر حق العودة إلى الطاولة، وهذا مهم لأنه مهارة تفاوضية عليا.

وإن كنت لست مفاوضا محنكا ولكن رأيت أن أشارككم هذه المعلومات التي حصلت عليها في عجالة، فالموضوع يحتاج توسعا أكبر وممارسة وخبرة أطول.

الله يحفظنا ويحفظ بلادنا.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق