أكد الدكتور إبراهيم نجم المستشار العام لمفتي الجمهورية والأمين العام لدور وهيئات الإفتاء في العالم أن حماية الأسرة في الوقت الحالي تتطلب وعيًا دقيقًا بالتحولات العالمية وتمكينها من المشاركة في صناعة المستقبل باعتبارها المؤسسة الأولى التي تُبنى داخلها القيم والانتماء والمسؤولية.
جاء ذلك خلال كلمته في الجلسة الختامية للمؤتمر الدولي الحادي عشر لدار الإفتاء المصرية الذي عُقد تحت عنوان التحديات الأسرية في ظل التحولات الكبرى مقاربة إفتائية لحماية الأسرة واستشراف مستقبلها وصيانة الهوية.
شدد نجم على أننا نعيش في زمن يشهد أحداثًا وأفكارًا سريعة التغير، مع أهمية الإصلاح والتغيير، ولكن الأهم هو الوعي الكافي لفهم واقعنا قبل السعي لتغييره. فالإصلاح الحقيقي يتطلب فهماً عميقًا للواقع والمستقبل، ليؤدي إلى سياسات ومبادرات فعالة.
نجم: أهمية فهم التحولات الراهنة لمستقبل الأسرة
أوضح نجم أن دراسات المستقبل تعتمد على تحليل الاتجاهات والمتغيرات وبناء سيناريوهات الاستعداد لما قد يحدث. يرتبط هذا المنهج ارتباطًا وثيقًا بفقه المآلات الذي يُعتبر جزءًا أساسيًا في النظر في نتائج الأفعال وعواقب القرارات في التراث الإسلامي.
استشهد نجم بالمفكر المسلم ضياء الدين سردار الذي وصف الفترة الحالية بأنها زمن ما بعد العادية، حيث تتداخل التعقيدات والفوضى وتتراجع فعالية النماذج التقليدية. كما أشار إلى مصطلح VUCA الذي يصف عالم التقلب وعدم اليقين، وقدّم جاميس كاشيو مفهوم BANI الذي يشير إلى عالم هش ومعقد وصعب الفهم.
نجم: الأسرة كمصدر للمعنى في عالم متغير
أكد نجم أن هذه المفاهيم لا تُعتبر مصطلحات نظرية بحتة، بل تؤثر بشكل فعلي في كل بيت. حيث تقف الأسرة اليوم عند نقطة التقاء العديد من المجالات مثل الاقتصاد الرقمي والثقافة العالمية والذكاء الاصطناعي، وهذا يجعل مستقبل الأسرة جزءًا لا يتجزأ من مستقبل المجتمع والدولة.
أشار نجم إلى خمسة اتجاهات متداخلة تشكل واقع الحياة الحالية، منها إعادة تعريف أسر المفاهيم المرتبطة بالزواج والأبوة، وازدياد التناقضات بين التقنيات الحديثة والعزلة البشرية، وتدفق المعلومات مقارنةً بنقص الحكمة.
نجم: ضرورة إعادة صياغة مستقبل الأسرة
أوضح الاتجاه الثالث بتناقص الانتباه الناتج عن ضغوط التكنولوجيا والشاشات، والاتجاه الرابع يتعلق بتسليع البيانات والاهتمامات. بينما يأتي الاتجاه الخامس في صورة تسارع التغيرات مما يجعل ردود الفعل الأسرية والتعليمية غير متناسبة مع التغيرات المتسارعة.
قال نجم إن هذه التحولات تتطلب إعادة صياغة الأسئلة المطروحة حول حماية الأسرة. فالأسر القوية يجب أن تكون شريكة واعية في صناعة المستقبل، وليست مجرد متلقية للتغيرات، بل يجب أن تكون هي مصدر المعنى ومؤسسة لبناء القيم والحضارة.
نجم: الخيال الإسلامي كأساس في الرؤية المستقبلية
أكد نجم على أهمية مفهوم الخيال الإسلامي الذي يعبر عن قدرة العقل المسلم على تصور مستقبل مرغوب مستندًا على مقاصد الشريعة، مع ضرورة بناء الأدوات اللازمة لتحقيق هذا المستقبل. من خلال هذا المنهج، يمكن للمؤسسات الدينية وضع رؤية للمستقبل تعلي من شأن كرامة الإنسان واستقرار أسرته.
توخى المؤتمر الدولي الحادي عشر تحقيق خمسة أهداف مترابطة، تشمل بناء وعي مستمر بالتغيرات العالمية، وتبني مقاربة تجمع علماء الشريعة والنفس والاجتماع بجانب الاقتصاد والتقنية.
نجم: تحقيق أهداف المؤتمر لتحقيق التغيير الفعلي
تعتمد الأهداف أيضًا على تقديم سردية تربط الماضي بالحاضر والمستقبل، مما يُظهر الأسرة كفاعل حضاري، وكذلك ضرورة تثبيت القيم الدينية لتوجيه التقدم وحماية الكرامة الإنسانية.
نجاح المؤتمر سيقاس بما يتم تحويله من الأفكار إلى برامج قابلة للتنفيذ، حيث يتم تطوير أدوات لرصد التحولات الطبية والتعليمية بعد الفتاوى.
اختتم الدكتور إبراهيم نجم كلمته مستعيرًا حلم مارتن لوثر كينغ، حيث عبر عن أمله في أن تكون كل أسرة مدرسة للمعنى ومساحة للأمان، وأن يتعلم الأطفال استخدام التقنية بشكل واعٍ.
هذا الحلم هو مشروع عمل يبدأ بالوعي، ويستند إلى القيم، ويتقدم ببناء القدرات والمسؤولية المشتركة. فالأسرة تبقى هي البذور التي تُزرع بها ملامح المستقبل.
