الازدحام المروري وثقافة التسامح المفقودة

مكه 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
الازدحام المروري وثقافة التسامح المفقودة, اليوم السبت 20 يونيو 2026 08:57 مساءً

خلال إحدى رحلاتي إلى الهند كنت أسعى إلى دراسة عدد من المناطق العشوائية والتجول بها لفهم أنماط المعيشة والتكوين العمراني لتلك المناطق. في مدن كبرى مثل مومباي أو نيودلهي الشوارع أراها مكتظة والازدحام المروري كثيف في معظم ساعات اليوم. تتداخل حركة الآليات مع حركة المشاة، ويستخدم البعض الدراجات النارية أو الهوائية للانتقال من مكان إلى آخر. لا تكاد أصوات المنبهات الصادرة من المركبات تتوقف فهي عادة سلوكية في شوارع الهند. وعلى الرغم من هذه الفوضى الظاهرية؛ إلا أن هناك سمه اجتماعية ساهمت في تقليل عناء الازدحام المروري وتتمثل بالقدر الكبير الذي يتمتع به السكان من ثقافة الصبر والتسامح.

أتذكر أني كنت أستقل سيارة أجرة متجها إلى إحدى المناطق العشوائية وعندما توقفت إلى وجهتي وهممت بالنزول مسرعا فتحت الباب دون أن أنتبه إلى أحدهم وهو يقود الدراجة النارية من الجهة الأخرى. اصطدم قائد الدراجة بالباب وسقط أرضا في مشهد مؤسف، وتناثرت جميع أغراضه على الأرض بما فيها الفواكه والخضراوات. في تلك اللحظة، توقعت في أفضل الأحوال أن يثور غاضبا أو موجها لي اللوم لكوني فتحت الباب دون أن أتأكد من خلو الطريق من المارة؛ كنت مخطئا، لكن المفاجأة أنه نهض بهدوء وجمع أغراضه المتناثرة ثم واصل طريقه وكأن شيئا لم يكن. إنها ثقافة التسامح التي نفتقدها في معظم مدننا المزدحمة، هذه الثقافة هي التي ساعدت المجتمع الهندي على تخطي العقبات، والتعايش في ظروف صعبة لكي يصل الجميع إلى وجهته النهائية بسلام وأمان. أتخيل لو أني ارتكبت الخطأ نفسه هنا، ما هي كمية التوبيخ الذي سوف أتعرض له في أفضل الأحوال؟

في الحقيقة، مهما حاولت إدارات المدن أو الجهات التخطيطية إيجاد حلول لأزمة الازدحام المروري لا يمكنها أن تحقق أهدافها إذا لم تقترن بسلوكيات متسامحة من المجتمع. نعم، سلوك سلبي واحد يمكن أن يقود إلى تفاقم المشكلة ويؤثر على الجميع. أنا لا أسوق هذه التجربة بوصفها نموذجية، فشوارع الهند تعاني من إشكالات وتحديات عميقة ولكن المجتمع كان له دور كبير في التخفيف من وطأة هذه المشاكل. الجميع يدرك أن التسامح يؤدي إلى مكاسب عامة أكبر من الإصرار على المكاسب الفردية؛ وهكذا يصل الجميع إلى وجهته بمتوسط زمني مناسب.

أما على المستوى المحلي، فعلى الرغم من توفر بنية نقل متقدمة، وشوارع ذات كفاءة عالية مقارنة مع العديد من دول العالم؛ إلا أن ثقافة التسامح أثناء القيادة تكاد تكون شبه منعدمة. الطريق هو عبارة عن ساحة معركة، وهؤلاء هم من يتسبب في تفاقم مشكلة الازدحام المروري. فهذا أحدهم يناور جهة اليمين واليسار ويتخطى صفوف المركبات حتى يصل أولا. أما الآخر وهو ما شاهدته بنفسي، فلا يتردد أن يصعد على الرصيف بسيارته ذات الدفع الرباعي ليسير مسافة يسيرة فوق الرصيف ثم يعود إلى الشارع مرة أخرى مسببا المزيد من الإرباك المروري. أما الآخر فما أن يشاهدك تشغل الإشارة الضوئية وتنوي الانعطاف يمينا حتى يسرع لإغلاق الفراغ ومنعك من الانعطاف بكل ما أوتي من قوة. والأكثر رواجا هو من يتخطى صف السيارات المنتظرة للانعطاف أو الدوران ليفرض نفسه في المقدمة وكأن البقية لا وجود لهم.

باختصار، لا يمكن حل مشكلة الازدحام المروري في المدن إذا لم تكن مقرونة بنشر ثقافة مرورية قائمة على أساس الصبر، والتسامح وإعطاء الطريق حقه، والبداية من المجتمع.

أخبار ذات صلة

0 تعليق