قمة ترامب وشي: لا مصالحة كبرى ولا قطيعة ممكنة

مكه 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
قمة ترامب وشي: لا مصالحة كبرى ولا قطيعة ممكنة, اليوم الخميس 14 مايو 2026 01:41 صباحاً


لا تبدو القمة المرتقبة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ في 14 - 15 هذا الشهر حدثا عابرا في مسار العلاقات بين واشنطن وبكين، ولا يمكن التعامل معها بوصفها مجرد محطة دبلوماسية تقليدية بين أكبر اقتصادين في العالم. فهي تأتي في لحظة دولية مضطربة، تتداخل فيها الحرب في إيران، وأزمة الطاقة، والتنافس التكنولوجي، وملف تايوان، واضطراب سلاسل الإمداد، مع حسابات داخلية ضاغطة في الولايات المتحدة والصين على حد سواء. لذلك، فإن القيمة الحقيقية لهذه القمة لن تكون في قدرتها على إنهاء التنافس الأمريكي - الصيني، بل في اختبار ما إذا كان الطرفان ما زالا قادرين على إدارته ومنع تحوله إلى مواجهة مفتوحة.

منذ سنوات، لم تعد العلاقة بين واشنطن وبكين قائمة على منطق التعاون الاقتصادي الواسع الذي طبع مرحلة ما بعد انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية. تغيرت البيئة الاستراتيجية، وتبدلت نظرة النخب الأمريكية إلى الصين من شريك تجاري صعب إلى منافس استراتيجي شامل. وفي المقابل، باتت بكين ترى أن واشنطن لا تريد فقط تعديل السلوك الصيني، بل احتواء صعود الصين نفسه، خصوصا عبر القيود التكنولوجية، والتحالفات الأمنية في المحيطين الهندي والهادئ، والدعم السياسي والعسكري المتزايد لتايوان.

لكن التنافس شيء، والانفصال الكامل شيء آخر. وهنا تكمن نقطة التقرير الأساسية: الولايات المتحدة والصين، رغم التصعيد المتبادل، لا تستطيعان تحمل كلفة القطيعة الاقتصادية الكاملة. تعتمد الشركات الأمريكية على سلاسل الإمداد الصينية، وعلى المعادن الحرجة، والمكونات الصناعية، والقدرة التصنيعية الواسعة التي راكمتها الصين خلال عقود. وفي المقابل، تحتاج الصين إلى أسواق مستقرة، وتدفقات تجارية منتظمة، وتكنولوجيا متقدمة، ونظام مالي عالمي لا تزال واشنطن اللاعب الأكثر تأثيرا فيه. هذه الاعتمادية المتبادلة لا تلغي الخصومة، لكنها تضع لها حدودا عملية.

تدخل الصين القمة وهي تبدو أكثر ثقة مما كانت عليه قبل أشهر. فقد أظهرت قدرة على امتصاص الضغوط التجارية، وتوسيع صادراتها، وتنويع علاقاتها الاقتصادية، وتقليل اعتمادها المباشر على السوق الأمريكية عبر بوابات أخرى. كما حاولت بكين خلال أزمات الشرق الأوسط أن تقدم نفسها بوصفها قوة مسؤولة تدعو إلى التهدئة والاستقرار، في مقابل صورة أمريكية مثقلة بالحروب والتحالفات المكلفة. ومن الواضح أن الصين تريد أن تستثمر هذا السياق لإقناع واشنطن بأن التعامل معها كخصم محاصر لن يؤدي إلا إلى مزيد من الاضطراب العالمي.

إلا أن الثقة الصينية لا تعني غياب نقاط الضعف. فالاقتصاد الصيني ما زال يواجه تحديات عميقة، من ضعف الاستهلاك المحلي، إلى أزمة القطاع العقاري، إلى بطالة الشباب، وتراجع الثقة في بعض القطاعات، فضلا عن الاعتماد الكبير على الصادرات والصناعة المدعومة من الدولة. كما أن الحرب في إيران وارتفاع تكاليف الطاقة يذكران بكين بحقيقة استراتيجية لا تستطيع تجاهلها: صعود الصين الاقتصادي يحتاج إلى بيئة دولية مستقرة، وممرات بحرية آمنة، وأسعار طاقة قابلة للإدارة. أي اضطراب طويل في الخليج أو بحر العرب لا يضر واشنطن وحدها، بل يهدد أحد أهم شروط الاستقرار الصيني.

في المقابل، يدخل ترامب القمة وهو يدرك أن الضغط على الصين وحده لا يكفي. فالرسوم الجمركية والقيود التكنولوجية قد تمنح واشنطن أدوات تفاوضية، لكنها لا تنتج بالضرورة استراتيجية مكتملة. وإذا كانت الولايات المتحدة تريد الحد من الطموح الصيني، فهي تحتاج في الوقت ذاته إلى منع الأسواق من الانزلاق، وتهدئة المخاوف لدى الشركات، وإظهار أن القوة الأمريكية لا تعني الفوضى الدائمة. ومن هنا تبدو القمة فرصة لترامب كي يقدم نفسه بوصفه رجل الصفقات الكبرى، القادر على الضغط والتفاوض في الوقت نفسه.

يبقى ملف تايوان النقطة الأكثر حساسية والأكثر قابلية للانفجار. بالنسبة إلى بكين، تايوان ليست قضية هامشية ولا ورقة تفاوض عادية، بل جزء من تعريفها للسيادة والشرعية القومية. وبالنسبة إلى واشنطن، فإن التخلي عن تايوان أو تقليص الدعم لها بصورة حادة سيبعث برسالة خطيرة إلى حلفاء الولايات المتحدة في آسيا والعالم. لذلك، فإن أي تفاهم حول تايوان سيكون محدودا، وربما لغويا أو إجرائيا، أكثر منه تحولا جوهريا. قد تسعى الصين إلى خفض مستوى التصريحات الأمريكية، أو تأخير بعض مبيعات السلاح، أو فتح قنوات تهدئة غير معلنة. لكن من الصعب تصور صفقة كبرى تتجاوز طبيعة النظام السياسي في تايوان وحسابات الكونغرس الأمريكي ومخاوف اليابان وكوريا الجنوبية.

أما التكنولوجيا، فهي ساحة الصراع الأطول والأكثر حسما. لم تعد أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي مجرد ملفات اقتصادية، بل أصبحت جزءا من ميزان القوة الدولي. الولايات المتحدة تريد الحفاظ على تفوقها النوعي ومنع الصين من الوصول إلى التقنيات التي قد تعزز قدراتها العسكرية والصناعية. والصين ترى في هذه القيود محاولة لإبطاء نهضتها ومنعها من الانتقال من قوة تصنيع إلى قوة ابتكار. لذلك قد تنتج القمة حوارا أو آلية تنسيق، لكنها لن تنهي حرب التكنولوجيا.

ما يمكن توقعه في أفضل الأحوال، هو تفاهم محدود: تهدئة في الخطاب، عودة قنوات الاتصال، صفقات زراعية أو طاقة، نقاش حول سلاسل الإمداد، وربما إطار أولي لتجنب الحوادث العسكرية أو سوء التقدير حول تايوان وبحر الصين الجنوبي. هذه نتائج متواضعة، لكنها ليست بلا قيمة. ففي لحظة دولية مضطربة، يصبح منع الانهيار إنجازا بحد ذاته.

الخلاصة أن قمة ترامب - شي لن تؤسس لعصر جديد من الوفاق، لكنها قد تمنع مرحلة أخطر من الصدام. العالم لا ينتظر مصالحة بين واشنطن وبكين، بل ينتظر حدا أدنى من العقلانية بين قوتين لا تستطيع إحداهما إزاحة الأخرى، ولا تستطيعان معا تحمل كلفة الانفصال الكامل. التنافس سيبقى، وربما يزداد حدة، لكن السؤال هو: هل يستطيع الطرفان تحويله إلى تنافس مضبوط بدلا من صراع مفتوح؟ هنا تكمن أهمية القمة، وهنا أيضا يكمن اختبارها الحقيقي.

mr_alshammeri@

أخبار ذات صلة

0 تعليق