نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
تحول الإعلامي إلى عدو لوطنه, اليوم الثلاثاء 12 مايو 2026 12:01 صباحاً
لا يمكن اختزال ظاهرة الإعلامي الذي ينقلب على وطنه في موقف طارئ؛ كون ذلك يحدث غالبا نتاج مسار طويل تتقاطع فيه العوامل النفسية والتربوية والمجتمعية والثقافية، وتتشبع فيه النفس المحتالة بالأطماع والغرور وحب الوصول.
وهذا التحول يتشكل مبكرا في بنية الشخصية، حين تتضخم نزعة الأنا، والمصلحة الذاتية، ويضعف الارتباط بالقيم الأسرية والمجتمعية والوطنية، بتحولها إلى أدوات قابلة للتوظيف والتلاعب.
ومع الوقت، لا يعود الوطن كيانا جامعا للانتماء والواجب، بل مساحة يمكن استثمارها أو مقايضتها، وتصبح الكلمة جمرة في لسان صاحبها، لا يهدأ حتى يقذفها ولو أحرقت ما حوله.
من الناحية النفسية، يظهر هذا النمط المتعالي القائم على شعور دائم بعدم الرضى، حتى وإن نال صاحبه الامتيازات والحضور.
شعور يدفعه إلى البحث المستمر عن الاعتراف الخارجي، والجمع بين التناقضات قدر الممكن، باستعداد للمساومة على المواقف مقابل مكاسب أسرع ونفوذ أوسع.
عقل تتضخم لديه قناعة خفية بأن القيمة تقاس بحجم الأضواء المسلطة عليه، لا بصدق ما يقدمه ولا أثره المفيد.
هنا يصبح الكذب وسيلة، والمبالغة مهارة، والانتقال من خطاب إلى نقيضه مجرد حيلة تكتيكية لا تستدعي أي تردد أخلاقي.
التجارب العالمية والتاريخية تقدم شواهد عديدة على أصحاب هذا المسار.
وقد تتباين التفسيرات بين من يراها مواقف مشروعة، ومن يعدها خرقا للأمن الوطني وتجاوزا لحدود المسؤولية.
كما أن مواقع التواصل تسهم في تضخيم هذه الظاهرة؛ بمنح الأفراد قدرة هائلة على التأثير السريع، والخلط بين حرية التعبير وصناعة الفوضى، وبين النقد المهني المتخصص، وتصفية الحسابات.
وفي خضم هذا التشابك، ظهرت بيننا نماذج إعلامية انتقلت من موقع التأثير المهني إلى موقع التصادم مع أوطانها، مدفوعة بحسابات شخصية أو رهانات خارجية أو أوهام أمجاد فردية.
والخطر الحقيقي لا يكمن في المواقف الصريحة، بل في الخطاب المزدوج المموه؛ حيث يقدم النقد بواجهة وطنية، بينما تمرر من خلاله رسائل تخدم أجندات خارجية خبيثة.
وهذا النمط يصعب كشفه سريعا، لأنه يعتمد على الدهاء والمهارة اللغوية والقدرة على التلون والتمويه، ما يجعله أكثر تأثيرا في الرأي العام وأشد إرباكا للمتلقي.
ومعالجة هذه الظاهرة لا تكون بالإبعاد فقط، بل ببناء بيئة إعلامية أكثر توازنا وعدالة ووعيا.
فالإعلامي الذي يسقط في الخيانة غالبا ما تحركه نوازع التذاكي والطموح المنفلت، ويظل مترقبا لأي فرصة تمنحه حضورا أكبر أو مكاسب أسرع، ولو كان الثمن خصومة دائمة مع أهله ووطنه.
كما أن التعليم، وتعزيز التربية الوطنية منذ الصغر على معاني الانتماء المسؤول، ومحبة الأرض، والتفاني في حماية المصلحة العامة، تمثل خط الدفاع الأول في مواجهة مثل هذا الانحراف.
ثمة فارق كبير بين النقد بوصفه ضرورة صحية، وبين التحول إلى أداة غدر تتلبس روح الوطن.
فالأول رؤية صحية تعزز الاستقرار وتكشف الخلل قبل استفحاله، أما الثاني فخداع يقوض الثقة، ويزرع الشك، ويغري أصحاب الأنفس الضعيفة بتبديل الولاءات.
وبين هذين الحدين تتشكل مسؤولية الإعلامي الوطني؛ كونه عينا يقظة أمينة، لا بوقا مأجورا، وأن يبقى محصنا أمام الإغراءات، فلا يتحول بفعل الطموح الأعمى إلى خصم لا ترتجى منه أمانة ولا يوثق له موقف.

















0 تعليق