صفحة جديدة للذاكرة الوطنية!

مكه 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
صفحة جديدة للذاكرة الوطنية!, اليوم الثلاثاء 3 فبراير 2026 12:51 صباحاً


ليست المؤسسات الصحفية مجرد منصات نشر، بل هي ذاكرة الوطن الحية، وسجله المفتوح على التحولات والإنجازات والأسئلة الكبرى. ومن هنا، يكتسب إعلان معالي الأستاذ سلمان الدوسري عن إطلاق اتفاقيات الشراكة ضمن برنامج تطوير المؤسسات الصحفية دلالته العميقة، بوصفه فعلا مؤسسيا يعيد للصحافة موقعها الطبيعي في قلب المشروع الوطني، لا على هامشه.

إن توقيع هذه الاتفاقيات، برعاية وزارة الإعلام، لا يمكن قراءته كخطوة إدارية أو دعم مرحلي، بل باعتباره تحولا في النظرة إلى الصحافة نفسها، من كونها قطاعا يواجه تحديات، إلى كونها ركيزة معرفية وثقافية لا غنى عنها في صناعة الوعي، وحماية المنجز، وصياغة السردية الوطنية باحتراف ومسؤولية.

لقد عانت الصحافة، عالميا ومحليا، من تحولات متسارعة فرضتها الثورة الرقمية وتغير أنماط الاستهلاك الإعلامي، ما أدى في أحيان كثيرة إلى تراجع التأثير، أو اهتزاز النموذج الاقتصادي، أو الخلط بين السرعة والمهنية. غير أن الرهان الذي تطرحه هذه المبادرة يتمثل في تجاوز منطق «الإنقاذ» إلى منطق «التمكين»، عبر بناء منظومة حديثة تستند إلى الحوكمة، والتأهيل، والاستدامة، لا إلى الدعم المؤقت.

اللافت في حديث معالي وزير الإعلام أنه أعاد تعريف الهدف بوضوح، حيث الحفاظ على ريادة المؤسسات الصحفية، ودعمها لتبقى مزدهرة، مواكبة للمستقبل، ومستندة إلى ممارسات مهنية احترافية. وهذه ليست عبارات إنشائية، بل مفاتيح لمرحلة جديدة، عنوانها أن الصحافة لا تدار بعقلية الأمس، ولا تترك لمصير السوق وحده، بل تبنى بشراكة واعية بين الدولة والمؤسسات، تحترم الاستقلال المهني، وتضمن في الوقت ذاته التطوير المؤسسي.

إن برنامج تطوير المؤسسات الصحفية، في جوهره، يطرح سؤال الكيف لا الكم: كيف نعيد الثقة؟ كيف ننتج محتوى نوعيا؟ كيف ندرب أجيالا جديدة من الصحفيين القادرين على الفهم قبل النشر، والتحليل قبل السبق، والمسؤولية قبل الانتشار؟ وهذه الأسئلة لا تجاب إلا عبر استثمار طويل المدى في الإنسان، والتقنية، والنموذج التشغيلي.

وتكمن أهمية هذه الخطوة أيضا في توقيتها، فهي تأتي في لحظة تشهد فيها المملكة إعادة صياغة شاملة لقطاعاتها الحيوية، ضمن رؤية طموحة ترى في الإعلام شريكا في التنمية، لا مجرد ناقل لها. فالإعلام القوي لا يزين الواقع، بل يشرحه، ولا يضخم الإنجاز، بل يضعه في سياقه، ولا يختلق الثقة، بل يبنيها بالتراكم.

إن الصحافة الوطنية، حين تمنح الأدوات الصحيحة، قادرة على أن تكون خط الدفاع الأول عن صورة الوطن، ومنصة الحوار الرشيد، وجسرا بين القرار والمجتمع. وهذا ما يجعل من هذه الاتفاقيات «صفحة جديدة» بحق، لا في تاريخ المؤسسات الصحفية فحسب، بل في علاقتها بذاتها، وبجمهورها، وبالدولة.

وفي المحصلة، فإن ما جرى ليس توقيع أوراق، بل تثبيت قناعة مفادها أن الصحافة الجيدة ليست عبئا، بل قيمة مضافة، وأن الاستثمار فيها هو استثمار في الوعي، وفي الذاكرة، وفي المستقبل. ومن هنا، يمكن القول إن هذه الخطوة تمثل بداية مرحلة تستعاد فيها الصحافة إلى مركزها الطبيعي: صوتا مسؤولا، ومؤسسة مهنية، وذاكرة وطنية لا تستبدل.

ali_makki2@

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق