نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
السر في البدلاء، عندما تصنع "الدكة" تاريخ السينما, اليوم السبت 27 يونيو 2026 12:35 مساءً
في كرة القدم لا يعني وجود اللاعب على مقاعد البدلاء أنه أقل موهبة، بل أحيانًا يكون هو كلمة السر، ينزل في الدقيقة 80 فيقلب النتيجة، ويصبح بطل المباراة، بينما يخرج النجم الأساسي مطأطئ الرأس به بعض الشعور بالندم على ترك هذه الفرصة، والمفارقة أن السينما أيضًا تعرف هذه اللعبة جيدًا، فكم من نجم اعتذر عن دور، أو أضاعه بسبب خلاف أو ظرف طارئ، ليذهب إلى "البديل" الذي لم يكتفِ بملء الفراغ، بل صنع مجدًا فنيًا لا يُنسى وأصبح الدور فاتحة خير عليه.
البديل في الفن لا يدخل أرض الملعب بحذاء رياضي، وإنما أمام كاميرا، لكنه يخوض المباراة نفسها، وقد يخرج منها فائزًا بجائزة، أو بدور يلازمه حتى نهاية عمره.
المليجي بديلا لمرسي في دور أبو سويلم
أشهر هذه المباريات كانت في فيلم "الأرض"، أحد أعظم أفلام السينما المصرية، شخصية "محمد أبو سويلم" لم تكن مكتوبة لمحمود المليجي، بل كانت من نصيب محمود مرسي الذي وافق عليها بحماس، لكن تضارب مواعيد التصوير مع فيلم "شيء من الخوف" حرمه منها، فحاول إقناع يوسف شاهين بتغيير الجدول، لكن الأخير رفض، فدخل المليجي المباراة من على الدكة، وقدم واحدًا من أهم أدواره على الإطلاق، حتى أصبح من العلامات المضيئة في مشواره الفني، بينما تحول الفيلم نفسه إلى ثاني أفضل فيلم في تاريخ السينما المصرية في استفتاء النقاد.
ولم يكن المليجي وحده الذي استفاد من فكرة البدلاء داخل فيلم "الأرض"، عزت العلايلي أيضًا دخل التشكيل بعد اعتذار نور الشريف عن شخصية "عبد الهادي"، بسبب مشهد انتشال الجاموسة من الترعة، لم يقبل يوسف شاهين استخدام دوبلير، فانسحب نور، بينما قبل العلايلي التحدي، ونزل بالفعل إلى المياه وسط البرد والديدان، وظل يصور المشهد عشر ساعات كاملة، ليخرج بأداء بقي في ذاكرة الجمهور.
حتى شخصية "وصيفة" لم تكن من نصيب نجوى إبراهيم في البداية، فقد كانت سعاد حسني هي المرشحة الأولى، لكنها اعتذرت، فاختار شاهين المذيعة الشهيرة التي نجحت في التجربة وأضافت إلى رصيدها محطة فنية مهمة.
الليلة يا عمدة.. بين أحمد مظهر وصلاح منصور
وفي فيلم "الزوجة الثانية"، لعبت الصدفة دورها أيضًا، فشخصية العمدة عتمان كانت مرشحة لأحمد مظهر، كما طُرحت أسماء فريد شوقي ورشدي أباظة، لكن الخلافات حالت دون إتمام الاتفاق.
على الفور دخل صلاح منصور المباراة، وخرج منها بلقب "العمدة"، وهو اللقب الذي لازمه حتى بعد انتهاء الفيلم بسنوات طويلة.

أما دور "حفيظة"، فقد رفضته فاتن حمامة، ليذهب إلى سناء جميل التي قدمت واحدًا من أعظم أدوارها، بينما استقر دور الزوج على شكري سرحان بعد أن كانت هناك ترشيحات أخرى.
الشيخ حسني.. بين أحمد زكي ومحمود عبد العزيز
وفي "الكيت كات"، كان أحمد زكي هو المرشح الأول لشخصية "الشيخ حسني"، لكن الخلاف مع المخرج داود عبد السيد أدى إلى انسحابه، فدخل محمود عبد العزيز بدلًا منه، ليقدم أداءً يعتبره كثيرون الأفضل في مسيرته، حتى إن أحمد زكي نفسه وقف بعد عرض الفيلم يشيد بأداء محمود عبد العزيز، مؤكدًا أنه يستحق جائزة أوسكار.
الحريف والبيه البواب وصراع الزعيم وأحمد زكي
وتكررت القصة مع فيلم "الحريف"، البطولة كانت لأحمد زكي، لكن خلافه مع محمد خان منح الفرصة لعادل إمام، الذي قدم واحدًا من أكثر أفلامه اختلافًا، بينما اعترف المقربون لاحقًا بأن زكي شعر بندم شديد بعد مشاهدة الفيلم.
وتكرر الأمر مع فيلم البيه البواب لكن بطريقة عكسية فقدمت الشركة المنتجة السيناريو للفنان عادل إمام أولا والذي وافق على الدور، وكانت ستقوم بدور البطولة أمامه الفنانة ميرفت أمين للعمل معه في دور زوجته التي ستأتي معه من الصعيد إلى القاهرة، وطلب الزعيم تغيير مخرج العمل حسن إبراهيم والتعاقد مع المخرج محمد عبدالعزيز، وهو الطلب الذي ترددت شركة الإنتاج في تنفيذه ليعتذر عادل إمام عن أداء بطولة الفيلم ليقدمه أحمد زكي ويبدع فيه.
وفي تصريحات تلفزيونية للماكيير محمد عشوب، قال نصًا: «الجرائد كانت كاتبة إن عادل إمام هيقوم ببطولة البيه البواب، فأول لما عرض السيناريو على أحمد زكي خده ورماه على الأرض، وقاللي مباخدش حاجة مكان حد»، وبعد أيام، تراجع أحمد زكي عن الرفض، ورشح الفنانة مهجة عبدالرحمن لتقدم دور زوجته في أحداث الفيلم بعد اعتذار الفنانة ميرفت أمين عن العمل.
رامي قشوع وبطل من ورق
أما فيلم "بطل من ورق"، فقد رفضه عادل إمام أولًا، ثم اعتذر عنه أحمد زكي، ليصل الدور إلى ممدوح عبد العليم الذي صنع من شخصية "رامي قشوع" واحدة من أهم محطاته الفنية.
التبديل الاضطراري
لكن ليس كل بديل يدخل المباراة بسبب اعتذار نجم، فهناك بدلاء فرضتهم الظروف القاسية.
في مسلسل "ذئاب الجبل"، بدأ صلاح قابيل تصوير شخصية "علوان البكري"، لكنه توفي بعد تصوير ثمانية مشاهد فقط، فتولى عبد الله غيث الدور، ثم رحل هو الآخر قبل استكمال العمل، ليجد المخرج مجدي أبو عميرة نفسه أمام أزمة غير مسبوقة، حتى فكر في إسناد الشخصية إلى أحمد ماهر، الذي رفض مازحًا: "هو أنت عايز تخلص مني أنا كمان؟".
وفي "المال والبنون"، أجبرت وفاة عبد الله غيث صناع العمل على الاستعانة بشقيقه حمدي غيث لاستكمال شخصية "عباس الضو" في الجزء الثاني.
فيلم الأقوياء
بينما شهد فيلم "الأقوياء" واحدة من أغرب عمليات الإنقاذ، بعدما توفي رشدي أباظة أثناء التصوير، فظهر صلاح نظمي بدلًا منه في اللقطات الخلفية، فيما تكفل أحمد زكي بتقليد صوته حتى يخرج الفيلم إلى النور.
بدلاء المكايدة
وهناك نوع آخر من البدلاء، لا تصنعه الصدفة ولا الظروف، بل تصنعه "المكايدة"، بعد خلاف فريد الأطرش مع سامية جمال، قرر البحث عن وجه جديد، فاكتشف الراقصة الجزائرية فاطمة الزهراء حكيم، وغيّر اسمها إلى "ليلى الجزائرية"، ودفع بها لتكون بطلة أفلامه بدلًا من سامية.

ورغم أن التجربة لم تستمر طويلًا، فإنها تظل واحدة من أشهر قصص "البديل" الذي ولد من رحم المنافسة والخلافات.
بدلاء لا يسجلون أهدافا
انتصار البدلاء ليس قاعدة، فتظل هناك استثناءات تثبت أن الفرصة وحدها لا تكفي، وأن النزول إلى أرض الملعب لا يعني دائمًا تسجيل هدف الفوز.
كان عمرو الترجمان واحدًا من أشهر الوجوه الجديدة التي راهنت عليها السينما في الستينيات، اكتشفته فاتن حمامة بعدما شاهدته في دور صغير، ورأت فيه مشروع بطل سينمائي خاصة بعد انطلاق عمر الشريف إلى العالمية فأرادت صنع بديل له، فرشحته لبطولة فيلم "المعجزة"، بينما كان الفنان يوسف شعبان مرشحًا للدور في البداية، قبل أن يتغير الاختيار لصالح الترجمان، كما رفض الترجمان التخلي عن وظيفته في شركة سياحة رغم مطالب المنتجين، مؤمنًا بأن "وظيفة في اليد خير من شهرة على الشجرة".
لكن الرهان لم ينجح كما توقعت فاتن حمامة، فرغم وسامته وبطولاته المبكرة، لم يقدم سوى أربعة أفلام، قبل أن يبتعد عن الأضواء، ويتزوج الفنانة ليلى شعير إحدى بطلات فيلم عائلة زيزي، ويسافر إلى فرنسا ليعمل في مجال السياحة، لتنتهي رحلته الفنية سريعًا، ويصبح واحدًا من الحالات النادرة التي حصل فيها "البديل" على الفرصة كاملة، لكنه لم يستطع تحويلها إلى بطولة أو نجومية دائمة.
المفارقة أن مباريات الفن، مثل مباريات الكرة، تثبت دائمًا أن اسم اللاعب لا يحسم النتيجة قبل صافرة النهاية. أحيانًا يجلس البطل الحقيقي على مقاعد البدلاء، ينتظر لحظة واحدة فقط، وحين تأتي، لا يكتفي بتسجيل هدف الفوز، بل يكتب اسمه في التاريخ، بينما يظل الجميع يتساءل: ماذا لو لم يعتذر النجم الأول؟


















0 تعليق