بيروت - ناجي شربل وبولين فاضل
حصل السيناريو الأسوأ بوقوع لبنان بحسابات إسرائيل ومصلحتها خارج الهدنة الإقليمية، وبتكريس لقوتها التدميرية العشوائية التي حصدت في ساعات قليلة أكثر من ٣٠٠ قتيل و1100 جريح في كل لبنان.
وفيما تعددت تسميات ما حل الأربعاء بالعاصمة بيروت على وجه خاص، بين وصفه بالإبادة والمجزرة وحتى الاغتيال للبنان بكليته، انتهت القناعة بالقراءة السياسية إلى القول إن إسرائيل بما ارتكبته من وحشية، أرادت تكريس فصل الجبهات والاستفراد بلبنان كساحة واحدة وحيدة، وحمله على دفع فاتورة دماء باهظة جدا، هو الذي تحولت عاصمته في ساعات إلى عاصمة آلام وركام وبكاء، في مشهد سبق ان فرضته إسرائيل نفسها على العاصمة بيروت في اجتياحها العسكري للبنان العام 1982.
وأفاقت بيروت أمس في «يومها التالي» على موجة نزوح داخلية، من منطقة إلى أخرى ومن شارع إلى آخر. ووجد نازحون كانوا لاذوا بأمان العاصمة قبل «يوم الأربعاء»، أنفسهم أمام البحث عن مأوى جديد يقصدونه. وبعضهم حصل على ساعات قليلة لإخلاء شقة كانت فتحت أمامه من أصدقاء، بعد تدمير مساكن الأخيرين واضطرارهم إلى النزوح.
«اليوم التالي» لمجازر بيروت كان يوم حداد وطني دعت إليه الحكومة. وقد نكس العلم اللبناني في ساحة القصر الجمهوري ببعبدا. فيما قصد رئيس الحكومة نواف سلام مقر رئاسة المجلس النيابي في عين التينة حيث التقى رئيس المجلس النيابي نبيه بري.
من جهته، الاتحاد الأوروبي قال في بيان ان غارات إسرائيل المفرطة على لبنان، لا تندرج ضمن حق الدفاع عن النفس، ويجب ان يتسع نطاق هدنة إيران لتشمل لبنان.
وإذا كان العالم، تضامن مع لبنان وتوجه إلى قيادته السياسية بأطيب كلمات العزاء والمواساة، فإن التضامن الداخلي تقدم على ما عداه، بإقدام الناس على فتح المنازل أمام النازحين الجدد، على رغم المخاطر المحدقة باستضافة أشخاص قد يكون بعضهم مدرجا على لوائح اغتيال إسرائيلية. كما واصلت المستشفيات والجمعيات حملات التبرع بالدم في جميع المناطق.
وقد أجرى صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير دولة قطر اتصالا هاتفيا برئيس الجمهورية العماد جوزف عون، قدم خلاله تعازيه والشعب القطري بضحايا الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة على لبنان، معربا عن تضامن بلاده مع لبنان في الظروف الصعبة التي يمر بها، واستعدادها للمساعدة في كل ما يؤدي إلى وقف التصعيد العسكري، لاسيما لجهة شمول لبنان في اتفاق وقف اطلاق النار بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران.
كما تلقى رئيس الجمهورية اتصالا هاتفيا من الملك عبدالله الثاني ابن الحسين ملك الأردن، قدم خلاله تعازيه بضحايا الاعتداءات الاسرائيليـــة المستمرة على لبنـــان، واستهداف المدنيين والأماكن السكنية الآهلة والآمنة، معربا عن تضامن الأردن ملكا وحكومة وشعبا مع لبنان في الظروف الصعبة التي يمر بها، وواضعا إمكانات الأردن للمساعدة في كل ما يؤدي إلى وقف التصعيد العسكري من جهة، ودعم مواقف الرئيس عون والحكومة اللبنانية من جهة اخرى، لاسيما لجهة شمول لبنان في اتفاق وقف اطلاق النار بين الولايات المتحدة الاميركية وإيران.
وأدانت فرنسا بشدة الضربات الجوية الإسرائيلية المكثفة، مؤكدة أنها «غير مقبولة على نحو خاص». وقال المتحدث باسم وزارة أوروبا والشؤون الخارجية الفرنسية باسكال كونافغرو في بيان إن «هذه الضربات تأتي في سياق تصعيد خطير». وشدد على ضرورة أن يشمل اتفاق الهدنة لبنان من أجل وقف الأعمال العدائية على المستوى الإقليمي وفتح الطريق أمام تسوية سياسية مستدامة.
إلى ذلك، قال رئيس الجمهورية في مستهل جلسة للحكومة في بعبدا أمس: «لقد تعبنا من عبارات الاستنكار، وكنا نتطلع إلى أن يشمل وقف إطلاق النار لبنان.. والاتصالات التي أقوم بها مع رئيس الحكومة مع أصدقاء لبنان في العالم، نطالب فيها بالضغط في اتجاه أن يكون لبنان جزءا من اتفاق وقف النار كي ننطلق في المفاوضات».
وجدد عون القول إن «الدولة لها كيانها ووجودها، وهي التي تفاوض، ولا نقبل أن يفاوض أحد سوانا ولا نقبل أن يفاوض أحد عنا».
إزاء ذلك، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن بدء مفاوضات مباشرة مع لبنان «في أقرب وقت ممكن».
وقال نتنياهو «إثر طلبات لبنان المتكررة للبدء بمفاوضات مباشرة مع إسرائيل، أعطيت توجيهاتي لخوض مفاوضات مباشرة مع لبنان في أقرب وقت ممكن».
وبحسب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، فقد أوضح نتنياهو أن هذه «المفاوضات ستتناول نزع سلاح حزب الله وإقامة علاقات سلام بين إسرائيل ولبنان».
في سياق متصل، صرح مسؤول إسرائيلي مسؤول أميركي لموقع «اكسيوس» الإخباري الأميركي بأن إعلان نتنياهو عن المفاوضات مع لبنان جاء بعد اتصال هاتفي بينه وبين الرئيس دونالد ترامب. وأفادت تقارير إعلامية بأن المفاوضات ستعقد بين سفير إسرائيل يحيئيل لايتر وسفير لبنان السابق سيمون كرم في واشنطن، بوساطة السفير الأميركي في بيروت ميشيل عيسى.
ومن المتوقع أن تبدأ المفاوضات الإسرائيلية ـ اللبنانية مطلع الأسبوع المقبل بمقر وزارة الخارجية الأميركية في واشنطن، بحسب موقع «اكسيوس».
وبالعودة إلى لبنان، أعلن رئيس الحكومة نواف سلام بعد الجلسة اتخاذ قرارات، أولها رفع شكوى عاجلة إلى مجلس الأمن الدولي عن تصاعد الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان ولاسيما في العاصمة.
أما القرار الثاني، فهو الطلب من الجيش والقوى الأمنية المباشرة فورا بتعزيز بسط سيطرة الدولة الكاملة على محافظة بيروت وحصر السلاح فيها بالقوى الشرعية وحدها والتشدد في تطبيق القوانين واتخاذ التدابير كافة المطلوبة في حق المخالفين وإحالتهم إلى القضاء المختص.
وأعلن الرئيس سلام انه اتصل برئيس مجلس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، وأشاد خلال الاتصال بالجهود التي قام بها، التي أدت إلى وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران. وقال: طلبت منه التأكيد أن وقف إطلاق النار يجب أن يشمل لبنان منعا لتكرار الاعتداءات الإسرائيلية.
من جهته، أدان شريف الاعتداءات الإسرائيلية الأخيرة على لبنان، وأكد أن بلاده تعمل لتأمين السلام والاستقرار فيه.
وكانت إسرائيل استكملت تدمير الجسور التي تربط جنوب الليطاني ببقية لبنان، وآخرها كان جسر القاسمية البحري الذي يفصل صور وقضاءها عن مدينة صيدا، وقد استهدفته إسرائيل مساء الأربعاء وبقي منه منفذ مهدد بالاستهداف من جديد. وقام قائد الجيش العماد رودولف هيكل بزيارة تفقدية الى ثكنة بنوا بركات في صور وجسر القاسمية.
بدوره، دعا مفتي لبنان الشيخ عبد اللطيف دريان «الحكومة إلى حزم أمرها وتنفيذ قراراتها التي تحفظ البلد وتصون الشعب وتخرجه من النفق المظلم الذي هو فيه، بكل الوسائل المتاحة لتحقيق ذلك، من خلال حكمتها وديبلوماسيتها وتعزيز الوحدة الوطنية وترسيخ مفهوم الدولة الواحدة عبر الجيش اللبناني والقوى الأمنية الذين يعملون معا على استتباب الأمن والاستقرار لتدارك أي خلل يعوق عملهم».
ووصف العدوان الإسرائيلي على لبنان وخصوصا العاصمة بيروت وضاحيتها بـ«الوحشي الحاقد شديد الإجرام، والإرهابي الذي لا يمت إلى الإنسانية بصلة، مما يستدعي من الدولة اللبنانية اتخاذ الإجراءات الضرورية اللازمة لإسعاف المنكوبين وإغاثتهم وإيوائهم في أماكن تحفظ لهم كرامتهم وتعينهم على اجتياز نكبتهم».










0 تعليق