قال سامي شريف الرئيس التنفيذي لشركة الكويت للتأمين، وعضو الأكاديمية الأميركية للاكتواريين، وزميل جمعية الاكتواريين (الولايات المتحدة الأميركية)، أن تدفق المفاهيم الحديثة في بيئات الأعمال أصبح متسارعا، لافتا إلى بروز مصطلح «رأس المال الدماغي» بوصفه مفهوما يكمل الذكاء الاصطناعي ولا يناقضه.
وأوضح شريف أن مفهوم رأس المال الدماغي يشير إلى مجموع صحة العقول ومهاراتها داخل مجتمع أو مؤسسة، أي ليس فقط ما يعرفه الأفراد، بل كيف يعمل عقلهم تحت الضغط، وكيف يفكرون، وكيف يتخذون القرار. وهو يقوم على عنصرين متلازمين: صحة الدماغ، التي تشمل التوازن النفسي والقدرة على التركيز ومقاومة الاحتراق الوظيفي، ومهارات الدماغ مثل التفكير النقدي، والحكم السليم، والمرونة الذهنية، والذكاء العاطفي، والتعلم المستمر.
وما يلفت في هذا المفهوم أنه لا يربط القيمة الإنتاجية بالشهادات أو الذكاء النظري وحدهما، بل يربطها أيضا بسلامة البيئة التي يعمل فيها الإنسان، وبأسلوب الإدارة اليومي، وبجو العمل العام داخل المؤسسة.
أما الذكاء الاصطناعي، فهو مجموعة أنظمة قادرة على تحليل البيانات والتعلم منها وتنفيذ مهام معرفية بسرعة وكفاءة عالية، مثل التنبؤ، والتصنيف، واتخاذ القرارات الآلية.
وأضاف شريف أن الذكاء الاصطناعي، ومهما بلغت قدرته، يظل أداة لا تملك وعيا، ولا حكما أخلاقيا، ولا إحساسا بالسياق الإنساني، ولا قدرة على تحمل تبعات القرار، فهو يقدم مخرجات، لكن المسؤولية تبقى دائما على عاتق الإنسان.
من هنا يتضح التداخل بين المفهومين، فالذكاء الاصطناعي لا يلغي دور الإنسان، بل يضاعف أثره. هو يسرع القرار ويوسع نطاقه، لكن جودة القرار واتجاهه يعتمدان بالكامل على رأس المال الدماغي لمن يستخدمه. فالعقل المنهك، أو الخائف، أو الواقع تحت ضغط مزمن، لن يصبح أكثر حكمة لمجرد أنه يستخدم أدوات ذكية، بل قد تتحول هذه الأدوات إلى مضاعف للأخطاء بدل أن تكون وسيلة تصحيح.
ورأى شريف أنه عند إسقاط هذا الفهم على بيئة العمل، يتبين أن جو العمل ليس عنصرا ثانويا أو رفاهية تنظيمية، بل عامل إنتاج مباشر، فالمؤسسات التي تدار بالخوف، أو الضغط المفرط، أو غياب الوضوح، تستهلك رأسمالها الدماغي بصمت، مهما استثمرت في التكنولوجيا. أما المؤسسات التي تحافظ على صحة العقول، وتسمح بالسؤال والاختلاف، وتدرك أن الهدوء الذهني شرط للحكم السليم، فهي القادرة على تحويل الذكاء الاصطناعي إلى أداة تمكين حقيقية.
واختتم قائلا: في عصر الذكاء الاصطناعي، لم يعد التحدي تقنيا فقط، بل أصبح إنسانيا ومعرفيا في جوهره، فالتقنية قد تتطور بسرعة، لكن رأس المال الحقيقي سيظل عقلا سليما، يعمل في بيئة سليمة، ويتخذ قرارا سليما.




