وساطة تتقاذفها أمواج الخليج الملتهب

مكه 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
وساطة تتقاذفها أمواج الخليج الملتهب, اليوم الثلاثاء 9 يونيو 2026 09:01 مساءً

في كل يوم بل كل ساعة، يخرج علينا حديث جديد عن الاتفاق المرتقب بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، وكأن الشرق الأوسط بأكمله أصبح معلقا على طاولة تفاوض، تتقاذفه الأمواج السياسية والعسكرية والاقتصادية من كل اتجاه.

اتفاق يبدو في ظاهره سلميا ومنطقيا، لكنه في عمقه يحمل من الغموض ما يكفي ليزرع القلق في نفوس شعوب المنطقة كلها، خصوصا في الخليج العربي الذي أصبح يعيش بين الخوف من الحرب والخوف من نتائج السلام ذاته.

المشكلة الحقيقية أن ما تريده إيران اليوم يبتعد كثيرا عما تريده أمريكا، فالرئيس الأمريكي دونالد ترامب يسعى إلى خروج أمريكي بصورة المنتصر القوي القادر على إخضاع طهران لشروط قاسية، حتى وإن لم يكن ذلك الانتصار حقيقيا.

وفي المقابل تحاول إيران فرض واقع مراوغ جديد، وتوسيع مساحة شروطها ونفوذها، وجعل أي اتفاق اعترافا إقليميا ودوليا بدورها وقوتها، دون تنازل قد يجعلها تعاني مستقبلا.

وبين هذه التناقضات، تقف دول الخليج في منطقة رمادية مرهقة.

فهي تريد انتهاء الأزمة بطريقة أكيدة تعيد الأمن والاستقرار وحركة الاقتصاد والتجارة والطيران والموانئ والتنمية إلى طبيعتها، لكنها في الوقت ذاته تخشى أن تتحمل لاحقا تكاليف حرب لم تخترها، وإعادة بناء ضمن اتفاق تجهل دقائق تفاصيله.

فالتجارب السياسية في المنطقة علمتنا أن الخفاء يحدث، وأن المنتهزين كثر، وأن الخونة مندسون، وأن أخطر البنود ليست تلك التي تعلن، بل التي تتسرب من خلف الأبواب المغلقة.

المستفيدون من هذا الاتفاق كثر. أمريكا ستعتبر نفسها منتصرة عسكريا وسياسيا واقتصاديا، وإسرائيل ستشعر بالتفرد، وبأنها ضمنت مزيدا من المساحات والحماية والنفوذ، والصين وروسيا ستستفيدان من عودة الحياة لمضيق هرمز، كما أن أوروبا تدرك جيدا أن أي هدوء في الخليج يعني حماية شرايين تغذيتها من النفط والاقتصاد العالمي.

وحتى دولة باكستان تحاول أن تبني لنفسها موطئ قدم تاريخيا في هذا الملف العسير، متمنية تسجيل الاتفاق باسم إسلام آباد إثباتا لحضورها السياسي والمستقبلي، وقوتها وتوازنها الدبلوماسي.

ووسط كل ذلك، يظل السؤال العربي والخليجي الباطني هو الأهم: فماذا سنستفيد، وكم سيطلب منا من تنازلات مقابل هذا الاتفاق؟

الخوف الحقيقي ليس من الاتفاق نفسه، بل من البنود المسممة، التي قد تمرر وسط الغفلة والضيق، وما قد يفرض لاحقا على دول المنطقة تحت عناوين براقة مثل السلام أو الاستقرار أو الاتفاقات الإبراهيمية أو إعادة ترتيب الشرق الأوسط!

والخشية من أن تجد بعض الدول العربية نفسها مضطرة للدخول في ترتيبات سياسية واقتصادية وأمنية لم تكن جزءا واضحا من المفاوضات المعلنة.

ولهذا سيعاني هذا الاتفاق، مهما اقترب، من أمواج تتقاذفه؛ مرة بالتعنت والطمع الإيراني، ومرة بسبب الضغوط الأمريكية الحالمة، وأخرى من منشار الأطماع الإسرائيلية والمطبعين، ومرات بتضارب بعض مصالح الدول العربية والأجنبية.

وحتى لو ولد هذا الاتفاق في النهاية، فإنه لن يكون كاملا ولا مستقرا، بل ضعيفا مشوها محملا بالهواجس والشكوك والأسئلة المؤجلة إجاباتها، في مستقبل شرق أوسط أنهكته الصراعات حتى أصبح يخاف من الحروب، ومن السلام والاتفاقات والعهود ومتطلباتها في الوقت ذاته!

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق