ما بعد الاجتماع الأمريكي اللبناني الإسرائيلي

مكه 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
ما بعد الاجتماع الأمريكي اللبناني الإسرائيلي, اليوم الاثنين 18 مايو 2026 11:36 مساءً


تدخل المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية اليوم مرحلة مختلفة تماما عما كان متوقعا في بدايات الحرب. فبعد الاجتماع الأخير برعاية أمريكية لم يعد واضحا أن الهدف الحقيقي هو مجرد تثبيت وقف إطلاق النار أو معالجة الاشتباكات الحدودية. لأن ما ظهر فعليا هو بداية هندسة سياسية وأمنية طويلة الأمد، تحاول واشنطن من خلالها إعادة تشكيل قواعد الاشتباك في الجنوب اللبناني وإعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية وحزب الله وإسرائيل في آن واحد.

والاجتماع الأخير كشف أن الولايات المتحدة لم تعد تتعامل مع الملف باعتباره أزمة مؤقتة بل باعتباره فرصة لإنتاج نظام أمني جديد على الحدود الشمالية لإسرائيل. علما أن تمديد وقف النار لم يكن الإشارة الأهم. لأن الأهم كان الانتقال إلى مسارات تفاوضية ثابتة تشمل ترتيبات أمنية وعسكرية مباشرة وآليات تحقق ومراقبة مدعومة أمريكيا. وهذا يعني أن المنطقة تتحرك تدريجيا من مرحلة الحرب المفتوحة إلى مرحلة إدارة الصراع ضمن قواعد أمريكية أكثر إحكاما.

ولكن الخطأ الكبير هو الاعتقاد أن هذه المفاوضات تسير نحو سلام تقليدي. والواقع مختلف تماما. لأن إسرائيل لا تفاوض على سلام نهائي بقدر ما تفاوض على بيئة أمنية تمنع عودة التهديد من الجنوب اللبناني. ولبنان الرسمي لا يفاوض على تطبيع بل على استعادة الحد الأدنى من السيادة ومنع تحويل الجنوب إلى ساحة مفتوحة للضربات الإسرائيلية المستمرة. وأما حزب الله فهو الطرف الأكثر حضورا رغم غيابه الرسمي عن الطاولة. لأن كل بند أمني وكل حديث عن الانتشار العسكري وكل نقاش حول الجنوب يرتبط مباشرة بمستقبله ودوره وسلاحه.

والتحول الأهم بعد اجتماع الأمس هو أن إسرائيل تبدو وكأنها تخلت مؤقتا عن فكرة الحسم الكامل. فتل أبيب تدرك أن نزع سلاح حزب الله بالقوة أو عبر اتفاق مباشر أمر غير واقعي وقد يدفع لبنان كله نحو الانهيار والفوضى. لذلك بدأت تظهر مقاربة أكثر براغماتية تقوم على الاستنزاف السياسي التدريجي بدل الصدمة العسكرية. أي تثبيت هدنة طويلة نسبيا ثم بناء ترتيبات أمنية دائمة ثم دفع الدولة اللبنانية تدريجيا لتوسيع نفوذها جنوبا بحيث يتحول حضور حزب الله العسكري مع الوقت إلى عبء داخلي لا إلى معادلة ردع إقليمية.

وفي المقابل يحاول لبنان الرسمي استخدام اللحظة بطريقة شديدة الحساسية. فهو يربط أي تقدم أمني بملفات الانسحاب الإسرائيلي وعودة النازحين والإعمار والأسرى والسيادة الكاملة على الأرض. أي أن بيروت تحاول تحويل الضغط العسكري إلى فرصة لإعادة إنتاج مفهوم الدولة اللبنانية نفسها بعد سنوات طويلة من التآكل والانقسام. لكن المشكلة أن الدولة اللبنانية ما زالت أضعف من أن تفرض وحدها نتائج هذا المسار. ولذلك يبقى مستقبل المفاوضات مرتبطا بالسؤال الأهم. هل يقبل حزب الله بتحول تدريجي في دوره ضمن معادلة لبنانية جديدة. أم يعتبر أن كل ما يجري ليس سوى محاولة أمريكية إسرائيلية لتفكيكه بهدوء بعدما تعذر إنهاؤه بالحرب.

وهنا تحديدا تظهر المفارقة الأخطر. وهي أن واشنطن تحاول بناء استقرار طويل الأمد من دون اتفاق سلام مباشر ومن دون صدمة سياسية كبرى. لا مصافحة تاريخية ولا تطبيع علني ولا معاهدات شاملة. بل شبكة تفاهمات أمنية متراكمة تجعل العودة للحرب أكثر كلفة على الجميع. وهذا يعكس إدراكا أمريكيا بأن البيئة اللبنانية لا تحتمل اتفاقا دراماتيكيا وأن أي محاولة لفرض سلام كامل بسرعة قد تنفجر داخليا في لبنان أو تتحول إلى وقود لصراع أهلي وإقليمي جديد.

لكن رغم اللغة الدبلوماسية الهادئة فإن الوقائع الميدانية تقول إن المنطقة ما زالت بعيدة عن الاستقرار الحقيقي. لأن الغارات الإسرائيلية لم تتوقف بالكامل حتى أثناء الاجتماعات. والتحذيرات العسكرية ما زالت قائمة. وهذا يعني أن إسرائيل لا تزال تفاوض بالنار بالتوازي مع السياسة. بينما يحاول حزب الله الحفاظ على معادلة تقول إنه لم يهزم ولم يستبعد من المشهد وإن أي ترتيبات جديدة يجب أن تعترف بوجوده بصورة أو بأخرى.

لذلك فإن ما يجري اليوم ليس سلاما بعد الحرب بل إعادة تنظيم للصراع نفسه ضمن قواعد أكثر انضباطا وأقل قابلية للانفجار الشامل. نظرا لأن الشرق الأوسط اعتاد طوال عقود على الحروب الكبرى والانهيارات المفاجئة. أما الآن فهناك محاولة أمريكية لبناء شرق أوسط مختلف. أقل حروبا مباشرة وأكثر اعتمادا على الإدارة الأمنية طويلة النفس. والسؤال الحقيقي لم يعد هل ستنجح الهدنة الحالية، بل هل تستطيع واشنطن صناعة توازن مستقر بين دولة لبنانية تريد استعادة قرارها وإسرائيل تريد أمنا مطلقا وحزب الله يرفض الخروج من المعادلة.

ولكن إذا نجحت هذه الصيغة فقد يتحول الجنوب اللبناني من أخطر نقطة اشتعال في المنطقة إلى نموذج لصراع مضبوط الإيقاع تحت المراقبة الدولية. أما إذا فشلت فإن كل ما يجري اليوم لن يكون سوى استراحة قصيرة بين جولتين أكبر وأكثر عنفا.

alatif1969@

أخبار ذات صلة

0 تعليق