تعتبر بعض الأماكن بمثابة شواهد تاريخية غنية، حيث تجسد ماضٍ بعيد يتجاوز آلاف السنين، وتجذب الزائرين بإرثها الثقافي العريق، إن هذا هو الحال بالنسبة لـ “شونة الزبيب” الواقعة في جنوب محافظة سوهاج، وبالتحديد في منطقة أبيدوس بمدينة البلينا، حيث تنتصب هذه المعلم التاريخي كدليل حي على إحدى أقدم محاولات المصري القديم لتخليد ذكرى الملوك بعد وفاتهم.
اسم يثير الفضول
يتميز هذا المعلم التاريخي بإسمه الذي يلفت الانتباه، فالاسم “شونة الزبيب” يخبئ وراءه تاريخًا يمتد لأكثر من 4700 عام، بُني هذا المكان في العصر الفرعوني، وتحديدا في عهد الملك خع سخموي، الذي كان آخر ملوك الأسرة الثانية، حيث يعود تاريخ إنشائه إلى حوالي 2700 قبل الميلاد.
جدران ضخمة وقصة ذات أبعاد تاريخية
عند وصولك إلى “شونة الزبيب”، ستلاحظ الجدران الطينية الشاهقة التي لا تزال ثابتة على الرغم من مرور آلاف السنوات، يبلغ طول الجدار الخارجي حوالي 137 مترًا، مع عرض يصل إلى 77 مترًا وارتفاع يقارب 12 مترًا، مما يعكس فيضًا من الإبداع الهندسي للمصري القديم في تلك الفترة، هذه الجدران لم تُبْنِ عبثًا، بل جرى تصميمها بشكل يتماشى مع معمارية القصور الملكية، مما يعكس استمرار مكانة الملك حتى بعد وفاته.
أسرار معمارية مدهشة
بالرغم من ضخامة “شونة الزبيب”، إلا أن هذا المعلم لا يبوح بكل أسراره بسهولة، فعلى الرغم من سعة الساحة، لم يظهر بداخلها أي مبانٍ ضخمة كما قد يتوقع الزائر، وغياب مقابر ملكية داخل المنشأة جعلها حقلًا مهمًا لدراسة تطور العمارة والطقوس الجنائزية في مصر القديمة.
أسئلة تفتح أبواب التاريخ
في عام 1988، تم اكتشاف عنصر معماري غامض في الموقع من قبل عالم المصريات ديفيد أوكونور، يتمثل في مربع من الطوب اللبن أثار تساؤلات حول وظيفته، يبدو أن “شونة الزبيب” ليست مجرد معلم تاريخي فقط، بل هي أيضًا مصدر للباحثين لطرح الأسئلة وفتح النقاشات حول التاريخ المصري القديم.
رحلة نحو الأبدية
تشكل “شونة الزبيب” رمزًا لجهود المصريين القدماء في البحث عن الخلود، في مدينة أبيدوس، بدأ الفراعنة تطوير أفكارهم حول الموت والحياة الآخرة، وكيف يمكن أن تظل ذكرى الملك حاضرة بعد وفاته، لهذا، فإن زيارة هذا الموقع ليست مجرد نظرة على آثار قديمة، بل تعكس لحظة مبكرة من تاريخ الحضارة المصرية.
طبقات من التاريخ المتواصل
ولم تتوقف القصة عند العصر الفرعوني فقط، فقد تم الكشف عن بقايا كنيسة صغيرة بالقرب من الركن الجنوبي الشرقي للموقع، مما يدل على أن “شونة الزبيب” ظلت ماثلة في ذاكرة المنطقة، تعتبر تاريخ أبيدوس سلسلة من الطبقات المتتابعة، حيث تركت كل واحدة منها أثرًا خاصًا في السياق التاريخي.
حكاية تفوق المعمار
إن “شونة الزبيب” ليست مجرد هيكل أثري عابر، بل تجسد حكاية المصري القديم في سعيه لإبقاء ذكره حيًا، عند الوقوف أمام جدرانها، يبدو أن الفاصل الزمني بين الإنسان المعاصر والملك “خع سخموي” ليس عائقًا، بل يشعر الزائر أنهم في ملعب التاريخ الذي لا زالت جدرانه تحكي قصصه.
في سوهاج، يتحدث كل حجر عن تاريخ عريق، وكل أثر يحمل رسالة من الماضي، وكل خطوة في أرض أبيدوس تقودنا إلى فصول جديدة في قصة الحضارة المصرية.
